أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله ﷺ قالوا: والله لنربطن أنفسنا بسواري المسجد حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنا ويعذرنا! فربطوا أنفسهم، وكان فيهم أبو لبابة بن عبد المنذر؛ فلما مر بهم رسول الله ﷺ قال: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك فعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم أنت وتعذرهم؛ فقال رسول الله ﷺ: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين! فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}، فلما نزلت أطلقهم رسول الله ﷺ وعفا عنهم".
تفسير السلف للعمل الصالح والسيئ:
العمل الصالح: إسلامهم وهجرتهم وجهادهم مع رسول الله ﷺ في المشاهد السابقة، واعترافهم بذنوبهم وندمهم وربط أنفسهم بالسواري.
العمل السيئ: تخلفهم عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وإيثارهم الدعة المؤقتة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "عَسَى" في حق الله تعالى:
قاعدة أصولية وتفسيرية مطردة: قال ابن عباس والضحاك وسيبويه وجمهور المفسرين: "كُلُّ 'عَسَى' فِي الْقُرْآنِ مِنْ اللَّهِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ"؛ لأن "عسى" في كلام المخلوقين تفيد الرجاء والتردد، أما في كلام الله تعالى فهي وعد كريم متحقق الوقوع قطعاً؛ إذ الكريم إذا أطمع لم يخيب رجاء عبده.
الإعراب المفصل:
"وَآخَرُونَ": الواو استئنافية أو عاطفة، "آخرون" مبتدأ مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم (أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره وممن تخلف آخرون).
"اعْتَرَفُوا": فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة في محل رفع نعت لـ "آخرون".
"بِذُنُوبِهِمْ": متعلق بـ "اعترفوا".
"خَلَطُوا": ماض مبني على الضم وفاعله الواو، والجملة نعت ثانٍ (أو خبر المبتدأ).
"عَمَلًا": مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
"صَالِحًا": نعت لـ "عملاً" منصوب بالفتحة.
"وَآخَرَ": عاطف ومعطوف على "عملاً" منصوب بالفتحة (أي وعملاً آخر).
"سَيِّئًا": نعت لـ "آخر" منصوب بالفتحة.
"عَسَى": فعل ماض جامد للرجاء والتحقيق مبني على الفتح المقدر.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة اسم عسى مرفوع بالضمة، وجملة "عسى الله" خبر المبتدأ "آخرون" إن لم يُجعل خلطوا خبراً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إنصاف المذنبين التائبين وتفريقهم عن المنافقين المردة: بعد أن ذكر الكفار الخلص والمنافقين المردة، ذكر هذا الصنف الثالث من أهل الإيمان الذين وقعوا في الخطيئة والتقصير، لكنهم تميزوا بخصيصتين عظيمتين: الاعتراف الصادق بالذنب، والندم العملي الملموس؛ ففتح الله لهم باب الرحمة والمغفرة.
التوازن النفسي والتربوي في الآية: تصوير واقعي لطبيعة النفس الإنسانية المؤمنة المعرضة للخطأ والضعف (خلط الصالح بالسيئ)، مع بث الرجاء العظيم والأمل في مغفرة الغفور الرحيم وعدم القنوط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الخوارج والمعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة في النار: تزعم الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافر، وتزعم المعتزلة أنه في منزلة بين المنزلتين مخلد في النار إن لم يتب!
الدفع والمحاكمة السنية المنهجية:
هذه الآية حجة قاطعة لأهل السنة والجماعة في أن خلط السيئات بالصالحات لا يُسقط أصل الإيمان ولا يوجب الكفر ولا الخلود في النار؛ فالصحابة الذين تخلفوا ارتكبوا ذنباً كبيراً، ومع ذلك سماهم الله مؤمنين ووصف أعمالهم بالصالحة، وجعل مصيرهم معلقاً برحمته ومغفرته: {عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وعصاة الموحدين تحت مشيئة الله وفضله.
استعارة الخلط في {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}: استعارة مزج الأشياء المختلفة كإناء فيه ماء صافٍ صُب فيه ماء كدر؛ للدلالة على تفاوت أعمالهم، وأن السيئة لم تمحُ حسناتهم السابقة بل امتزجت بها وعلقت بها الحاجة إلى التطهير.
التذييل بـ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: ختام يسكب الطمأنينة والسكينة في قلوب المذنبين؛ فالمغفرة لستر الذنوب ومحوها، والرحمة لإفاضة الإحسان والتوفيق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الاعتراف بالذنب بين يدي الله: أول خطوة في طريق التوبة الصادقة هي الاعتراف الصريح بالتقصير دون التماس الأعذار الكاذبة والتبريرات الملتوية؛ فمن اعترف بذنبه وانكسر لربه تاب الله عليه.
الأمل والرجاء للمقصرين: رسالة رحمة لكل مؤمن تلطخ بالذنوب والمعاصي؛ أن لا ييأس ولا يدع الصالحات لغلبة السيئات، بل يكثر من الحسنات فإن الحسنات يذهبن السيئات.