أسباب النزول ومرويات الباب: تسمى هذه الآية الكريمة عند كثير من المفسرين «آية السيف». روى البخاري في صحيحه (رقم: 25)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥ ومسلم (رقم: 22)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
أقوال أئمة السلف والتفسير في تحديد {الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} هنا:
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن جرير الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 132)جامع البيانالطبري١٤/١٣٢: ليست الأشهر الحرم هنا هي الأشهر الأربعة المعهودة في الشريعة (رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم)، بل المراد بها أشهر التسيير الأربعة المذكورة في قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}، وسميت حُرماً لأن الله حرّم فيها قتالهم وأمّنهم فيها؛ فإذا انسلخت ومضت هذه المدة زال الأمان وعادت المناجزة لمن نقض العهد وأصر على حربه لله ورسوله.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 110)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١٠: هذا أمر من الله بقتال المشركين الناكثين بعد انقضاء أجل أمانهم، ومطاردتهم في كل موضع وتضييق الخناق عليهم حتى لا يبقى في جزيرة العرب وثنية تضطهد المسلمين وتصد عن دين الله، فإن تابوا بالدخول في الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ارتفعت عنهم المؤاخذة وصاروا إخوة في الدين.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 77)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٧٧: استدل أبو بكر الصديق والصحابة الكرام بهذه الآية الكريمة والحديث الموافق لها على قتال مانعي الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قرن فيها بين الصلاة والزكاة وجعل تخلية السبيل وعصمة الدم معلقة بهما معاً: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}.
قال الشنقيطي (أضواء البيان، جـ 2، ص 320)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٢٠: دلت الآية على أن الكافر الحربي إذا انقضت مدته ولم يسلم فإنه يقاتل؛ إلا أن هذه الآية ليست مطلقة في كل كافر، بل هي مخصصة بآيات الجزية في أهل الكتاب، وبآية الاستجارة في الآية اللاحقة، وبنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والأطفال والرهبان والحرّاثين والأجراء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
انسَلَخَ: الانسلاخ خروج الشيء من الشيء وانفصاله عنه تماماً، مأخوذ من سلخ الجلد عن الشاة إذا كُشط وأزيل، واستعير هنا لانقضاء الزمان وخروج أيامه يوماً بعد يوم حتى يكتمل الأجل وينكشف الشهر كلياً.
احْصُرُوهُمْ: الحصر التضييق والحبس والمنع من التصرف والانتشار، يقال حصره إذا ضيق عليه ومنعه من الخروج والولوج.
مَرْصَدٍ: مَفْعَل من الرصد، وهو الترقب والانتظار في موضع خفي لمراقبة العدو وترصد تحركاته؛ والمرصد هو الموضع الذي يرصد فيه، ويطلق على الطريق والمجاز الضيق.
فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ: التخلية الترك والتفريغ، أي اتركوا طريقهم ولا تتعرضوا لهم بأذى أو أسر بعد أن حققوا شرط العصمة.
الإعراب التفصيلي:
فَإِذَا: الفاء عاطفة، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
انسَلَخَ: فعل ماض مبني على الفتح.
الْأَشْهُرُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذا.
الْحُرُمُ: نعت لـ الأشهر مرفوع بالضمة الظاهرة.
فَاقْتُلُوا: الفاء رابطة لجواب إذا، اقتلوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم.
الْمُشْرِكِينَ: مفعول به منصوب بالياء.
حَيْثُ: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بـ اقتلوا.
وَجَدتُّمُوهُمْ: فعل ماض، والتاء فاعل، والواو لإشباع ضمة الميم، والهاء مفعول به، والجملة في محل جر بالإضافة لـ حيث.
وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ: معطوفات على اقتلوا، الأفعال أوامر وفاعلها الواو والهاء مفعول به.
وَاقْعُدُوا لَهُمْ: فعل أمر وفاعل، ولهم متعلق به.
كُلَّ مَرْصَدٍ: كلَّ منصوب على الظرفية المكانية بتقدير (في كل مرصد)، أو منصوب على أنه مفعول به على السعة وتضمين اقعدوا معنى الزموا، ومرصد مضاف إليه.
فَإِن تَابُوا: الفاء استئنافية، إن شرطية، تابوا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ: معطوفان على تابوا.
فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ: الفاء رابطة لجواب الشرط، خلوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، سبيلهم مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ: تعليل وتذييل، إن واسمها وخبراها.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم الآية ورسمها وضبطها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج العسكري والسياسي المنضبط: رتبت الآية الخطوات العسكرية بدقة فائقة: إعطاء المهلة أولاً {فَإِذَا انسَلَخَ}، ثم المواجهة الحاسمة للناكثين {فَاقْتُلُوا... وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}، ثم فتح باب العصمة والأخوة الكاملة لمن تاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة؛ لتبين أن الشدة ليست غاية ذاتية، بل هي وسيلة لدحر الفتنة وإقامة العدل وحماية التوحيد.
الارتباط الحصري بالناكثين: لا تقرأ هذه الآية بمعزل عن الآية (4) السابقة لها التي أمرت بإتمام العهود للموفين، ولا عن الآية (6) التالية لها التي أمرت بإجارة المستأمن وإسماعه كلام الله وإبلاغه مأمنه؛ فالسياق متكامل يوضح أن القتال مقصور على المحارب الناكث دون غيره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هذه الشبهة من أقدم وأوسع الشبهات التي يلوكها أعداء الإسلام والمستشرقون والجماعات المنحرفة المتطرفة على السواء، مدعين أن هذه الآية نسخت أكثر من مائة آية من آيات العفو والصفح والجدال بالتي هي أحسن.
الرد والتحقيق والنسف العلمي للشبهة:
تحقيق مفهوم "النسخ" عند المتقدمين: أئمة السلف (كابن عباس ومجاهد) كانوا يطلقون لفظ "النسخ" على التخصيص، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، واستثناء الصور؛ ولم يقصدوا الإبطال الكلي للحكم. فالآية خصصت التعامل مع المشركين العرب الناكثين في جزيرة العرب الذين لم يرقبوا في مؤمن إلا ولا ذمة.
حصر المحل والمكان: الآية خاصة بمشركي العرب الوثنيين في جزيرة العرب الذين تظاهروا على استئصال المسلمين ونقضوا كل عهد؛ لتطهير معقل الإسلام ومهبط الوحي من الوثنية والخيانة الداخلية؛ بدليل إجماع العلماء على استثناء أهل الكتاب والمجوس ومن في حكمهم من أخذ الجزية منهم وإقرارهم على دينهم.
استثناء غير المقاتلين بالسنة المتواترة القطعية: نهى النبي صلى الله عليه وسلم نهياً جازماً مغلظاً في غزواته عن قتل النساء والصبيان والشيخ الفاني والأعمى والراهب في صومعته والفلاح الذي لا يقاتل (صحيح مسلم، رقم: 1731، ومسند أحمد، رقم: 2728). فلو كانت الآية تفيد إبادة كل مشرك لمجرد كفره، لما حُرّم قتل هؤلاء بإجماع الأمة.
التطويق بالآية اللاحقة مباشرة (آية الاستجارة): لو كان المقصود إبادة المشركين وسفك دمائهم لمجرد الشرك، لما قال الله في الآية التالية مباشرة (آية 6): {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}؛ فكيف يؤمر بحمايته وتأمينه وإيصاله إلى مأمنه سالماً مع بقائه على الشرك، إن كان دمه مهدراً على الإطلاق؟! هذا التناقض العقلي يسقط الشبهة من أساسها ويثبت أن القتال موجه للمحارب الناكث فقط.
الاستعارة المكنية في {انسَلَخَ}: شبه انقضاء الأشهر وخروجها بشاة يسلخ عنها جلدها، بجامع الانفصال التدريجي الكامل الذي يعقبه انكشاف ما وراءه؛ وفي ذلك تهويل لمرور الأيام وإشعار للمشركين بأن مهلتهم تتآكل يوماً بعد يوم، فكأنهم يرون أيام الأمان تسلخ أمام أعينهم.
التدرج في الأفعال العسكرية: جمعت الآية أربعة أفعال تكتيكية: {فَاقْتُلُوا} (للمقاتل المجابه)، {وَخُذُوهُمْ} (للأسير المغلوب)، {وَاحْصُرُوهُمْ} (للمتحصن في قلاعه ومعاقله بالتضييق الاقتصادي والعسكري)، {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} (لقطع خطوط إمدادهم وترصد تحركاتهم الاستخباراتية)؛ وهو تلخيص معجز لكل فنون الحرب والحصار والسيطرة الميدانية في جمل موجزة.
التذييل بالمغفرة والرحمة: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ إشارة إلى أن من تاب من أعظم ذنب وهو الشرك ومحاربة الرسول، فإن الله يمحو عنه ما سلف ويغمره برحمته، فما بالكم بمن دون ذلك من المذنبين؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الصلاة والزكاة في الإسلام: جعل الله إقام الصلاة وإيتاء الزكاة علامة العصمة وباب الإخاء في الدين؛ فالدين ليس مجرد كلمة جوفاء، بل هو استسلام قلبي وشعائر تعبدية وتكافل مالي واجتماعي.
الرحمة هي الغاية من القوة: الإسلام لا يستخدم القوة للبغي ولا للتسلط، بل لكسر شوكة الطغيان، فمتى انصاع الخصم للحق سقطت كل أشكال المواجهة وعادت الأخوة الإيمانية كاملة غير منقوصة.