سبب النزول وتحديد المعنيين: أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي وابن إسحاق، أن نفراً من المنافقين كان فيهم نبتل بن الحارث -وكان رجلاً دميم الخلقة وسخ الثياب سيئ الطوية- يجلس إلى رسول الله ﷺ فيستمع إلى كلامه ثم ينقله إلى المنافقين ويعيب النبي ﷺ، فقال بعض المنافقين: لا تتكلموا فإن نبتل ينقل الحديث إلى محمد، فقال نبتل: "إنما محمد أذن؛ من حدّثه شيئاً صدّقه، فنحن نقول ما نشاء ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا!"، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية كاشفاً مكرهم وفاضحاً سوء سريرتهم.
أقوال أئمة التفسير في ضبط الرواية:
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/167): "يقول تعالى: ومن هؤلاء المنافقين قوم يؤذون رسول الله ﷺ بالكلام فيه، ويقولون: {هُوَ أُذُنٌ} أي: يسمع من كل من قال له شيئاً فيصدقه، فإذا جئنا واعتذرنا إليه وحلفنا له قَبِل منا وصدقنا! فقال الله تعالى رداً عليهم: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي: هو أذن تسمع الحق والصدق والخير، لا الباطل والإفك والزور".
وذكر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن 8/182) عن الحسن وقتادة أن معنى {هُوَ أُذُنٌ} في لغة العرب: يُطلق الأذن على الرجل الذي يقبل كل ما قيل له ولا يميّز؛ فقلب الله المعنى عليهم وجعله صفة كمال وحلم ورحمة للنبي ﷺ؛ لأنه يسمع الخير ويعفو بحلمه عن الخوض، متغافلاً عن خبث طواياهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التوسع الدلالي في إطلاق العضو على الشخص:
أصل "الأُذُنُ": حاسة السمع والعضو المعروف. وأُطلق هنا على الشخص مبالغة في كثرة سماعه وقبوله للحديث، حتى صار كأنه بكليته أذن مستمعة، كقولهم: "فلان عين" إذا كان جاسوساً أو كثير النظر.
القراءات المتواترة في {أُذُن} و{أُذْن} و{أُذُنُ خَيْرٍ}:
قرأ نافع وعاصم وابن كثير: {أُذُنٌ} بضم الهمزة والذال على الأصل، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: {أُذْنٌ} بإسكان الذال تخفيفاً، وهما لغتان فصيحتان.
وقرأ حمزة وحفص عن عاصم: {أُذُنُ خَيْرٍ} بالإضافة (أذنُ خيرٍ) على إضافة الموصوف إلى صفته، أو إضافة المصدر، وقرأ الباقون: {أُذُنٌ خَيْرٌ لَّكُمْ} بالتنوين ورفع "خيرٌ" على أنه نعت أو خبر ثانٍ، وكلا التوجيهين قمة في الفصاحة؛ فالأولى تدل على أنه أذن متلبسة بالخير مقصورة عليه، والثانية تدل على أن كونه مستمعاً لكم خير لكم وأرحم بكم من فضيحتكم ومعاجلتكم بالعقوبة.
الإعراب والفرق الدقيق بين تعدي الفعل بـ "الباء" وتعديه بـ "اللام":
{يُؤْمِنُ بِاللَّهِ}: عُدّي الفعل بحرف "الباء"؛ لأن الإيمان بالله هو التصديق الاعتقادي الجازم والإذعان القلبي بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
{وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}: عُدّي الفعل بحرف "اللام"؛ لأن المراد به التصديق الإقراري والائتمان وحسن الظن وقبول القول ظاهراً، كقول إخوة يوسف لأبيهم: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي: بمصدق لنا ومطمئن لخبرنا. فالنبي ﷺ يصدق المؤمنين الصادقين تصديق أمانة، ويتغافل عن المنافقين كفاً لشرهم واستبقاءً للألفة الظاهرة.
إعراب {وَرَحْمَةٌ}: معطوف على خبر المبتدأ أو مبتدأ مرفوع لخبر محذوف، أو خبر معطوف على {أُذُنُ خَيْرٍ}؛ وقرأ حمزة بالجر {وَرَحْمَةٍ} عطفاً على {خَيْرٍ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية في سياق هتك أستار النفاق: بعد أن بيّن الله سوء طويتهم في أموال الزكاة وطمعهم فيها، انتقل إلى بيان شناعة جنايتهم في جناب النبوة والجرأة على مقامه الشريف بالقول والأذى الخفي، مؤكداً أن كرم خلقه ﷺ وحسن استماعه للمعتذرين لم يكن عن غفلة أو بله، بل كان بدافع الرحمة والحلم والسياسة النبوية العظيمة.
الالتفات إلى الاسم الظاهر {وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا} والوعيد الشديد: جاء الوعيد في ختام الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بصيغة الاسم الظاهر "رسول الله" دون الضمير (يؤذونه)؛ لتقرير علة الحكم؛ فإن إيذاءه ليس كإيذاء سائر الناس، بل هو طعن في الرسالة واعتداء على مقام مرسله سبحانه، مما يوجب استحقاق العذاب الأليم المخلد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استغلال المنافقين لحلم النبي ﷺ ووصفه بالسذاجة: ظن المنافقون بجهلهم وغرورهم أن النبي ﷺ يصدق دعاويهم الكاذبة لسذاجة فيه، فظنوا حلمه وضعف بطشه جهلاً بحالهم.
الدفع والمحاكمة العقلية: رد القرآن عليهم هذا الوهم الساقط ببيان أن تصديق النبي ﷺ للناس في الظاهر إنما هو من كمال الأخلاق والرحمة والأدب النبوي الرفيع؛ حيث أمره ربه أن يقبل علانية الناس ويكل سرائرهم إلى الله، مع علمه التام بوحيه بأسماء المنافقين وأوصافهم. فالمتغافل ليس بمغفل، وإنما الكريم يتغافل عن عورات القوم رحمة بهم وإقامة للحجة عليهم، وشتان بين من يتغافل بحلم ونبل، وبين من يُخدع لجهل وغفلة.
أسلوب قلب المذمة إلى محمدة (المدح بما يشبه الذم): حوّل القرآن العظيم طعن المنافقين وسخريتهم في قولهم {هُوَ أُذُنٌ} إلى غاية الثناء وأوج المحامد النبوية؛ فقال: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ}، فأثبت صفة الاستماع لكن قيّدها بأنها أذن خير وبر ورحمة ونجاة لمن عقل، وفي ذلك إفحام بياني باهر يقطع دابر الطاعنين.
التنكير في {عَذَابٌ أَلِيمٌ}: يفيد التهويل والتعظيم؛ أي عذاب لا يقادر قدره ولا يحيط العقل بشدته ونكايته في جهنم لكل من آذى الجناب النبوي الشريف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حرمة الجناب النبوي وعظم توقيره: تؤكد الآية أن الطعن في رسول الله ﷺ أو الاستخفاف به أو الانتقاص من شأنه كفر مخرج من الملة موجب للعذاب الأليم، وأن الواجب على كل مسلم تعزيره وتوقيره ونصرته.
أدب التغافل في القيادة والدعوة: يستفيد الدعاة والمربون من خلق النبي ﷺ فقه "التغافل الراقي"؛ فالقائد الحكيم لا يُفتش عن بواطن الناس ولا يُحرج المعتذرين، بل يقبل الظاهر ويعاملهم بالعدل والرحمة، مع الحذر واليقظة من كيد المتربصين.