أسباب النزول ومرويات الباب والتصوير النبوي المعجز: نزلت الآية الكريمة تفصيلاً وتصويراً للمشهد الأخروي المهيب لجزاء مانعي الزكاة ومكتنزي الأموال بالباطل. روى الإمام مسلم في صحيحه (رقم: 987)مصدر غير محددحديث رقم ٩٨٧ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
أقوال أئمة السلف والتفسير في حكمة الكي في هذه المواضع الثلاثة:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 241)جامع البيانالطبري١٤/٢٤١: يوم توقد النار الحامية الشديدة على تلك الأموال والكنوز من الذهب والفضة في قعر جهنم حتى تصير كالجمر المتقد، فتوضع تلك الصفائح الملتهبة على جباههم وجنوبهم وظهورهم كيّاً مبرحاً، ويقال لهم تبكيتاً وتقريعاً: هذا عين مالكم الذي ضننتم به وبخلتم عن إنفاقه في طاعة ربكم، فذوقوا اليوم وبال ما كنتم تكنزون.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 142)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٤٢: خُصت هذه الأعضاء الثلاثة (الجبهة، والجنب، والظهر) بالكي لأن المانع للزكاة المكتنز للمال كان إذا رأى الفقير السائل عبس في وجهه وقبض جبهته، ثم إذا ألح عليه بالطلب ولى بجنبه عنه وأعرض، ثم إذا عاتبه أدار له ظهره وانصرف؛ فجوزي بالكي على هذه المواضع الثلاثة بنار ماله التي كنزها؛ فالجزاء من جنس العمل وفاقاً وعدلاً.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 158)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٥٨: الإحماء هو الإيقاد الشديد حتى تحمر الحجارة والحديد، والكيّ حرق الجلد بالنار، وتحول الأموال إلى صفائح نارية من دلائل قدرة الله حيث ينقلب عين المحبوب إلى عين العذاب.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 336)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٦: عذبوا بنفس الأموال التي جمعوها وتعبوا في تحصيلها وبخلوا بها؛ فانقلبت تلك النعم التي بطروا بها إلى أعظم نقمة وأشد عذاب جسدي ونفسي بالتقريع والتوبيخ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
يُحْمَىٰ: الإحماء إيقاد النار على الشيء وتصهيده حتى يشتد حره ويتهاج ويلهب؛ يقال أحمى الحديد إذا وضعه في الكير حتى احمرّ وصار ناراً.
فَتُكْوَىٰ: الكي إلصاق الشيء الحار الحامي بالجلد لحرقه، يقال كواه بالنار إذا أحرقه بها.
جِبَاهُهُمْ: جمع جبهة، وهي موضع السجود من الوجه ومجمع العزة والكرامة الإنسانية، ما بين الحاجبين ومنبت الشعر.
جُنُوبُهُمْ: جمع جَنْب، وهو شق الإنسان وصفحته من الإبط إلى الورك.
ظُهُورُهُمْ: جمع ظهر، وهو ما قابل البطن من قفا الإنسان.
الإعراب التفصيلي:
يَوْمَ: ظرف زمان منصوب متعلق بـ بشرهم في الآية السابقة (أي بشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها)، أو بمحذوف تقديره (اذكر يومَ)، أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره (العذاب يومَ).
يُحْمَىٰ: فعل مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
عَلَيْهَا: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل لـ يحمى (والضمير يعود على الكنوز أو الفضة والذهب)، والجملة في محل جر بالإضافة لـ يوم.
فِي نَارِ: جار ومجرور متعلق بـ يحمى.
جَهَنَّمَ: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث.
فَتُكْوَىٰ: الفاء عاطفة، تكوى مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله مرفوع بضمة مقدرة.
بِهَا: جار ومجرور متعلق بـ تكوى.
جِبَاهُهُمْ: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهم مضاف إليه.
وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ: معطوفان على جباههم مرفوعان بالضمة.
هَٰذَا: ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة مقول لقول محذوف تقديره: (يقال لهم: هذا ما كنزتم).
مَا: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
كَنَزْتُمْ: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف تقديره (كنزتموه).
لِأَنفُسِكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ كنزتم، والكاف مضاف إليه.
فَذُوقُوا: الفاء فصيحة عاطفة، ذوقوا فعل أمر للتهكم والتبكيت مبني على حذف النون، والواو فاعل.
اتفقت القراءات العشر المتواترة على بناء يُحْمَىٰ وفَتُكْوَىٰ لما لم يسم فاعله، وجر جَهَنَّمَ بالفتحة لمنع الصرف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التشخيص الحسي المرعب للعقوبة: الآية السابقة توعدت المكتنزين بـ {عَذَابٍ أَلِيمٍ}، وجاءت هذه الآية (35) لتفصل ذلك العذاب في مشهد حسي متكامل تتفطر له الأكباد؛ لتنخلع قلوب البخلاء من حب الذهب والفضة حين يعلمون أن هذه السبائك التي تلذذوا بلمسها وبريقها ستكون هي ذاتها المسامير والصفائح المحماة التي تحرق جلودهم في نار جهنم.
الجمع بين العذاب الجسدي والعذاب النفسي: لم يقتصر الجزاء على الكي الحسي للأعضاء {فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ}، بل قرنه بالتقريع والتوبيخ النفسي الموجع: {هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}؛ ليتضاعف العذاب على أرواحهم وأبدانهم معاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هذه الأعضاء الثلاثة هي التي تبرز فيها مشاعر الاستكبار والصدود في لغة الجسد؛ فالجبهة تعبس تكبراً، والجنب يلتف إعراضاً، والظهر يستدير فراراً وقطيعة؛ فكان الكي فيها مطابقة تامة للذنب.
الكي بهذه الصورة يحيط بالبدن من جهاته الأساسية: الجبهة من الأمام، والجنبان من الجانبين، والظهر من الخلف؛ فيكون العذاب محيطاً بجميع جهات الجسد فلا يجد المكنز مهرباً ولا مخلصاً.
قوله {لِأَنفُسِكُمْ} فيه تهكم عميق؛ فقد كنتم تزعمون أنكم تكنزون الذهب لـ "تأمين أنفسكم ومستقبلكم"، فإذا بكم كنزتموه لـ "عذاب أنفسكم وهلاكها"!
البناء لما لم يُسمَّ فاعله في {يُحْمَىٰ} و{فَتُكْوَىٰ}: للإشعار بهول الأمر والفظاعة، ولأن الفاعل معلوم وهو ملائكة العذاب وخزنة جهنم الموكلون بالتنكيل بالمجرمين.
الاستعارة في الذوق {فَذُوقُوا}: استعارة الذوق للإحساس بالعذاب؛ لأن الذوق أشد الحواس إدراكاً للألم وألصقها بالبدن، والذوق يكون للطعام الطيب فاستعمل هنا في ألم الكي تهكماً وتقريعاً.
الإسناد الحقيقي الصادم في {مَا كَنَزْتُمْ}: مواجهة حاسمة للمكنز بأن هذا العذاب ليس ظلماً مفروضاً عليه من خارج، بل هو صنع يديه وعين عمله؛ فكأنه يذوق ماله ناراً ملتهبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير المال بإخراج زكاته طيبة بها النفس: على كل صاحب مال أن يستحضر هذا المشهد المخيف، وأن يسارع إلى إخراج زكاة ماله وحقوق الله فيه طواعية ورضا؛ لينقلب المال حجة له ونوراً وبركة، بدلاً من أن ينقلب صفائح من نار تكوي جبينه وظهره.
زوال بريق الدنيا: كل زينة دنيوية تبخل بها عن الله تنقلب حسرة ووبالاً؛ فالذهب الحقيقي هو ما قدمته لآخرتك، والمال الفاني ما حبسته عن أهله ومستحقيه.