اختلف أئمة السلف في المراد بـ {الْمُعَذِّرُونَ} على قولين مشهورين تبعا لضبط القراءة والتفسير:
القول الأول (قول الجمهور: قتادة، الضحاك، السدي، وابن جرير الطبري): المعذرون هم أصحاب الأعذار الحقيقية من الأعراب (أهل البادية) الذين جاؤوا إلى رسول الله ﷺ يعتذرون بضعفهم وفقرهم وكبر سنهم أو عدم وجود الركوبة والحمولة، لكي يأذن لهم النبي ﷺ في القعود لعذرهم الصادق؛ وأصل الكلمة: المعتذرون، فأدغمت التاء في الذال.
القول الثاني (قول عائشة وابن عباس في رواية): المعذرون هم الذين تكلفوا عذراً ولا عذر لهم، مأخوذ من "العَذِير" وهو المقصر الذي يوهم أنه معذور وليس كذلك؛ قال ابن عباس: "لعن الله المعذرين!".
ورجح المحققون كابن كثير والقرطبي أن الآية تقسم الأعراب إلى صنفين:
صنف جاء واعتذر وسأل الإذن (وهم المعذرون، فيهم الصادق وفيهم المعتل).
وصنف أخبث منهم وأوقح، وهم {الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فقعدوا في خيامهم بالبادية دون أن يكلفوا أنفسهم المجيء ولا الاعتذار، استخفافاً بأمر الله وأمر رسوله، وتكذيباً بدعوى الإيمان في قلوبهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القراءات المتواترة في لفظ {الْمُعَذِّرُونَ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، أبو عمرو، ابن كثير، حمزة، الكسائي، خلف، أبو جعفر، البصريان): {الْمُعَذِّرُونَ} بضم الميم وفتح العين وتشديد الذال المكسورة؛ وفيه وجهان: إما اسم فاعل من "عَذَّرَ" بالتشديد إذا قصّر وتكلف العذر، وإما أصله "المُعْتَذِرُونَ" أُدغمت تاؤه في الذال ونُقلت حركتها إلى العين.
وقرأ ابن عباس ويعقوب في رواية والزهري: {الْمُعْذِرُونَ} بسكون العين وتخفيف الذال؛ اسم فاعل من "أَعْذَرَ" إذا أبدى عذراً صحيحاً واضحاً جلياً، ومنه المثل: "قد أَعْذَرَ من أنذر".
الإعراب المفصل:
"وَجَاءَ": الواو استئنافية، فعل ماض مبني على الفتح.
"الْمُعَذِّرُونَ": فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
"مِنَ الْأَعْرَابِ": جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من المعذرين.
"لِيُؤْذَنَ": اللام لام التعليل، "يؤذنَ" مضارع مبني للمجهول منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه الفتحة.
"لَهُمْ": جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل لـ "يؤذن"، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ "جاء".
"وَقَعَدَ": الواو عاطفة، ماض مبني على الفتح.
"الَّذِينَ": اسم موصول في محل رفع فاعل لـ "قعد".
"كَذَبُوا": ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
"اللَّهَ": لفظ الجلالة مفعول به منصوب (أو كذبوا على الله، بنزع الخافض).
"الَّذِينَ": اسم موصول في محل نصب مفعول به مقدم لـ "يصيب".
"كَفَرُوا": ماض وفاعله، والصلة لا محل لها.
"مِنْهُمْ": جار ومجرور حال.
"عَذَابٌ": فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
"أَلِيمٌ": نعت لـ "عذاب" مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استيعاب كافة جبهات ومكونات المجتمع المسلم: بعد أن بين مواقف المنافقين والمؤمنين من أهل المدينة الحاضرة، انتقل النظم القرآني إلى استعراض مواقف "الأعراب" سكان البادية المحيطة بالمدينة؛ لبيان أن الامتحان النبوي في تبوك كان فرزاً عاماً للأمة كلها في البادية والحاضرة.
التمايز بين دركات العصيان: ميز النظم بين من تكلف المجيء والاستئذان، وبين من تمرد وقعد في قعر بيته كاذباً مجاهراً؛ مبيناً تفاوت الذنوب والقبائح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول العذاب لجميع من قعد من الأعراب: كيف تتوعد الآية بالعذاب الأليم في قوله: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، ألم يكن فيهم من هو معذور؟
الدفع والمحاكمة العقلية والنصية الدقيقة:
قيد الله تبارك وتعالى الوعيد بحرف التبعيض {مِنْهُمْ} فقال: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ}؛ فالوعيد بالعذاب الأليم لم يتناول الأعراب جميعاً، ولا تناول المعذورين الصادقين الذين عذرهم الله في الآيات التالية مباشرة، وإنما اختص بأولئك الكفار الكذابين الذين استخفوا بالله ورسوله ولم يخرجوا جحوداً وتكذيباً؛ وهذا غاية العدل والإنصاف الإلهي.
المقابلة بين المجيء والقعود: قوله: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ} في مقابل {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا}؛ إبراز للتناقض السلوكي بين من يسعى لإبراء ذمته أمام القيادة ومن يستكبر في مكانه ويقطع كل صلة بالجماعة.
السين في {سَيُصِيبُ}: تفيد تأكيد وقوع النكال في المستقبل، وأن تأخر العقوبة في الدنيا استدراج لا يعني النجاة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب تحري الصدق في الأعذار: على المسلم أن لا يتذرع بأعذار واهية للتهرب من واجباته الدينية والدعوية؛ فإن الله مطلع على الضمائر ويعلم الصادق من المتمارض والمتحايل.
الاحتكام للنظام والقيادة: حتى المعذور لا ينبغي له أن ينفرد بقراره وينعزل عن الأمة، بل الواجب إعلام القيادة الشرعية طلباً للإذن وتبرئة للساحة.