وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
السين النبوية المعجزة في التنبؤ بسلوكهم:
أخبر الله تعالى أن المنافقين سيلجؤون إلى الأيمان المغلظة بالله تعالى لغرض محدد وهو: {لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ} أي: لتكفوا عن لومهم وعتابهم وتتركوهم وشأنهم دون عقوبة أو تقريع.
فأمر الله المؤمنين بمطابقة هذا الإعراض ولكن بمعنى آخر؛ فقال: {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ}؛ أي: أعرضوا عنهم احتقاراً لهم وإذلالاً وازدراءً، ولا تجالسوهم ولا تكلموهم ولا تعاتبوهم؛ لأنهم لا يستحقون حتى شرف العتاب!
وعن قتادة والسدي وابن عباس: "أمر الله المؤمنين أن يهجروهم هجراً جميلاً، ولا يعاتبوهم؛ لأن العتاب إنما يكون لمن يُرجى صلاحه، وهؤلاء خُتم على قلوبهم وهم رجس".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الرِّجْس" لغة وبلاغة:
الرِّجْس (بكسر الراء): كل ما يُستقذر ويُنفر منه طبعاً أو شرعاً أو عقلاً؛ كالنجاسات والعذرة والخبائث؛ وتسميتهم "رجساً" هنا هو من باب التشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه ووجه الشبه، أو الإخبار بالمصدر للمبالغة؛ أي كأن ذواتهم ونفوسهم ونياتهم تحولت إلى عين النجاسة والقذارة التي يجب التباعد عنها لئلا تلوث المجتمع المسلم.
جناس تام معنوي ومشاكلة في لفظ "الإعراض":
الإعراض الأول في {لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ}: إعراض الصفح والمسامحة وترك التوبيخ.
الإعراض الثاني في {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ}: إعراض المقت والاحتقار والإهانة والقطيعة التامة.
"بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ": جار ومجرور ومصدر مؤول متعلق بـ "جزاءً".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحويل مطلبهم إلى نكال وسلاح ضدهم: هم حلفوا بالأيمان الفاجرة ليحصلوا على الإعراض والتغافل كسباً للراحة والسلامة، فأمر الله المؤمنين بالإعراض عنهم لكن بنية النبذ والتحقير والعزل الاجتماعي، فصار ما طلبوه للسلامة سبباً في ذلهم وصغارهم بين الناس.
التعليل الصادم في {إِنَّهُمْ رِجْسٌ}: تعليل يبعث على التقزز والاشمئزاز من مسلك النفاق؛ فكما يفر المسلم من ملامسة العذرة والنجاسات الحسية، أمره الله أن يفر من مخالطة هؤلاء المنافقين؛ صيانة لطهره الروحي والأخلاقي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قسوة وصف الإنسان بـ "الرجس" وكرامة بني آدم: كيف يصف القرآن بشراً بأنهم "رجس" مع قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}؟
الدفع والمحاكمة العقلية:
التكريم الإلهي لبني آدم مشروط ببقائهم على الفطرة السليمة والاستجابة للهداية والعقل؛ فإذا انسلخ الإنسان من فطرته وعقله وكفر بخالقه ووالى أعداءه وتآمر على قتل أنبيائه وأوليائه ومارس الخداع والكذب، فقد انحط عن رتبة الإنسانية المكرمة إلى رتبة الحيوانية والرجس والنجاسة المعنوية؛ كما قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}، وقال: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}. فالوصف مطابق لحقيقة انتكاسهم الروحي والأخلاقي.
التنكير في "رِجْسٌ": يفيد التهويل وكمال الوصف؛ أي هم رجس خالص مجسم لا يخالطه طهر ولا خير.
الفاء الفصيحة في {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ}: تدل على الاستجابة الفورية من المؤمنين لأمر الله بنبذهم ومقاطعتهم دون أدنى تردد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلاح المقاطعة والعزل الاجتماعي للمجرمين: مشروعية استخدام سلاح المقاطعة والهجر الشرعي لمن أظهر الفسوق والنفاق والمجاهرة بمعاداة الدين؛ كعقوبة رادعة لحماية المجتمع من سمومهم.
صيانة القلوب من التلوث بأهل الباطل: الحذر من مخالطة أصحاب الشبهات والشهوات الذين لا يتورعون عن الأيمان الكاذبة؛ فإن طباع السوء سارقة وعدوى النفاق خفية مهلكة.