أسباب النزول ومرويات الباب في سياق غزوة تبوك (العسرة): أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن هذه الآية الكريمة نزلت في غزوة تبوك؛ وذلك حين استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لغزو الروم في رجب من سنة تسع للهجرة، وكان ذلك في زمن شدة الحر وجدب البلاد وحين طابت الثمار وأحبت النفوس الظلال والمقام في البساتين؛ فشق ذلك على كثير من الناس، وتثاقلت بعض النفوس وركنت إلى الدعة؛ فأنزل الله عز وجل معاتباً وموبخاً ومحذراً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ}.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 253)جامع البيانالطبري١٤/٢٥٣: هذا عتاب وتوبيخ من الله للمتثاقلين عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك؛ والمعنى: ما بالكم وما شأنكم إذا أمرتم بالنفير والخروج لجهاد عدوكم ملتم إلى الراحة والدعة ولصقتم بالأرض كأنكم لا تريدون فراقها؟ أرضيتم بالدنيا الفانية الفاسدة عوضاً وبدلاً من نعيم الآخرة الباقي؟!
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 148)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٤٨: يوبخ تعالى من تخلف عن الجهاد مع رسوله في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال في شدة القيظ والحر؛ مبيناً أن متاع الدنيا في جانب نعيم الآخرة قليل تافه لا يزن شيئاً؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ» (صحيح مسلم، رقم: 2858)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٨٥٨.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 170)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٧٠: النفير هو الخروج السريع لقتال العدو؛ وأصله مأخوذ من النَّفر وهو الفزع والحركة السريعة. وفي الآية دليل على وجوب النفير إذا استنفر الإمام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (صحيح البخاري، رقم: 2783)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٢٧٨٣.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 337)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٧: حثهم على النفير بأعظم أسلوب يوقظ القلوب؛ وبيّن أن الركون إلى الأرض علامة على انتكاس الموازين؛ فكيف يفضل العاقل قطرة دنيوية زائلة على بحر من النعيم الخالد؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
انفِرُوا: النفير الخروج والوثوب السريع للجهاد، يقال نفر القوم إذا خفوا وخرجوا إلى قتال عدوهم مسرعين.
اثَّاقَلْتُمْ: أصله تثاقلتم، أُدغمت التاء في الثاء لتقارب المخرج، واجتلبت همزة الوصل للابتداء بالساكن؛ ويفيد في وزنه الصرفي التكلف والمغالبة في طلب الثقل والميل إلى الأرض والتباطؤ كأن الأرض تجذبه إليها.
إِلَى الْأَرْضِ: عُدّي به لأنه متضمن معنى أخلدتم وركنتم؛ كقوله تعالى: {وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ}.
مَتَاعُ: ما يُتمتع به وينتفع به زمناً يسيراً ثم ينقضي ويزول، كالطعام والشراب والرياش.
الإعراب التفصيلي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: نداء للمؤمنين.
مَا: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والاستفهام للتوبيخ والإنكار.
لَكُمْ: جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ.
إِذَا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه أو بـ (لكم).
قِيلَ: فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله.
لَكُمُ: جار ومجرور متعلق بـ قيل.
انفِرُوا: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع نائب فاعل لـ قيل لأنها مقول القول.
اثَّاقَلْتُمْ: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة في محل نصب حال من الضمير المجرور في (لكم) بتقدير قد (أي: ما لكم متثاقلين)، أو جواب إذا لا محل لها.
إِلَى الْأَرْضِ: جار ومجرور متعلق بـ اثاقلتم.
أَرَضِيتُم: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، رضيتم فعل ماض وفاعل.
بِالْحَيَاةِ: جار ومجرور متعلق بـ رضيتم.
الدُّنْيَا: نعت مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
مِنَ الْآخِرَةِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال (أي بدلاً وعوضاً من الآخرة).
فَمَا: الفاء فصيحة، ما نافية لا عمل لها.
مَتَاعُ: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا: مضاف إليه ونعت مجرور.
فِي الْآخِرَةِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من متاع أو بقليل (أي كائناً في جانب الآخرة).
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
قَلِيلٌ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على إدغام التاء في الثاء {اثَّاقَلْتُمْ}، وقرأ الأعمش في الشواذ {تَثَاقَلْتُمْ} على الأصل بدون إدغام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من التشريع العام إلى النفير الميداني: بعد أن استوفت السورة إعلان المبادئ الدستورية والسياسية تجاه المشركين وأهل الكتاب في المقاطع السابقة، دخلت هنا في المعركة الكبرى والامتحان العملي الفاصل: غزوة تبوك ضد الإمبراطورية الرومانية؛ فبدأت بالنفير العام ومعاتبة المتثاقلين؛ ليعلم الصف المسلم أن القرارات لا تحمى إلا بالنفير والبذل.
المقابلة النفسية والتصويرية العجيبة: المقابلة بين حركة "النفير إلى العلو والجهاد في سبيل الله"، وبين حركة "التثاقل والانجذاب إلى الطين والأرض"؛ تصوير بديع لثقل الجسد وشهواته حين يقعد بالإنسان عن معالي الروح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع الصحابة في التثاقل والحرص على الدنيا:
يثير بعض المشككين هذه الآية للطعن في همم الصحابة وزعم أنهم كانوا يفضلون الدنيا على الآخرة.
الرد والمحاكمة الإيمانية والتاريخية:
الخطاب القرآني هنا خطاب تربوي يعالج "العوارض البشرية الفطرية" في ظرف مناخي واقتصادي شديد القسوة (مسافة تبوك ألف كيلومتر في صحراء لاهبة في الصيف وقت نضج الثمار بعد سنوات فقر)؛ فالتثاقل كان هاجساً نفسياً عارضاً في بعض النفوس فعالجه القرآن بهذا العتاب الشافي.
النتيجة العملية تثبت عظمة الصحابة وصدقهم؛ فما إن نزلت الآيات حتى انتفضت المدينة المنورة بأسرها، وتجهز جيش قوامه ثلاثون ألف مقاتل وعشرة آلاف فرس في أعظم حشد عسكري في تاريخ الجزيرة العربية، وتسابق المؤمنون في البذل حتى تصدق عثمان بن عفان بتسعمائة وخمسين بعيراً وخمسين فرساً وبألف دينار صبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وتصدق أبو بكر بماله كله، وعمر بنصف ماله، وجاء الفقراء البكاؤون تفيض أعينهم من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون!
فالعبرة بالاستجابة الفورية العظيمة التي محت كل تردد وصنعت ملحمة تبوك الخالدة.
الجرس الصوتي في كلمة {اثَّاقَلْتُمْ}: ثقل الحروف وتشديد الثاء وتتابع الساكنين يجسد بالصوت حالة التثاقل الجسدي والانجذاب القهري إلى الأرض؛ كأن السامع يرى رجلاً يجر قدميه جراً ويثقل بدنه عن النهوض!
حرف الجر {مِنْ} بمعنى البدل: قوله {مِنَ الْآخِرَةِ}؛ أي بدلاً من الآخرة، وهو أسلوب عربي للدلالة على الخسارة الفادحة في المعاوضة؛ فمن استبدل الخزف بالجوهر فهو سفيه.
الحصر بـ {مَا... إِلَّا قَلِيلٌ}: تقليل شأن الدنيا وتصغيرها في أعين المؤمنين؛ لتهون التضحية وتزهد النفوس في الراحة المؤقتة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علاج الفتور والكسل في طاعة الله: أعظم دواء لعلاج التثاقل عن الواجبات ونصرة الدين هو تذكر قصر الدنيا وسرعة زوالها وعظمة نعيم الآخرة وخلوده.
الانعتاق من جاذبية الأرض: المؤمن الحق يسمو بروحه فوق رغبات الدعة والكسل، وإذا نادى منادي الواجب هب مسارعاً غير مبالٍ بحر ولا قر.