أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في تفسير الآية:
{مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا}: أي يعد ما يخرجه من الزكاة أو النفقة في سبيل الله غرامة وخسارة وضرراً ونقصاً في ماله، ولا يرجو على إنفاقه ثواباً من الله ولا يدفع به عقاباً؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة ولا بالثواب والعقاب، وإنما يدفعها كرهاً وتقية وخوفاً من سطوة جيش المسلمين.
{وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ}: أي ينتظر ويترقب بكم أيها المؤمنون حوادث الدهر ونوائب الزمان وهزائم المعارك، ويتمنى أن تدور عليكم صروف الزمان ونوائب الحروب ليتخلص من التكاليف الإسلامية وينقض على المسلمين.
{عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}: دعاء عليهم وخبر حتمي من الله بأن دائرة الهلاك والخزي والعذاب والنكال محيطة بهم نازلة برؤوسهم دون المؤمنين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "المَغْرَم" و"الدَّوَائِر" و"السَّوْء" لغة:
المَغْرَم: المصدر الميمي من الغُرم، وهو ما يدفعه الإنسان من مال مكروهاً دون أن يعود عليه بنفع، كالغرامة والتاوان.
الدَّوَائِر: جمع دائرة، وهي النوازل والمصائب وحوادث الدهر المتقلبة؛ وسُميت دائرة لأنها تدور وتطوف بالناس وتنزل بهم.
السَّوْء (بفتح السين وضمها): قراءتان سبعيتان؛ فالسَّوْء بالفتح: المصدر مضافاً للدائرة، أي دائرة البلاء والشر والهزيمة؛ والسُّوء بالضم: اسم للضر والشدة والمكروه والعذاب.
الإعراب المفصل:
"وَمِنَ الْأَعْرَابِ": الواو استئنافية، جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
"مَن": اسم موصول في محل رفع مبتدأ مؤخر.
"يَتَّخِذُ": فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"مَا": اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لـ "يتخذ".
"يُنفِقُ": مضارع مرفوع وفاعله مستتر، وجملة الصلة لا محل لها.
"مَغْرَمًا": مفعول به ثانٍ لـ "يتخذ" منصوب بالفتحة الظاهرة.
"وَيَتَرَبَّصُ": عاطف ومضارع مرفوع والفاعل مستتر.
"بِكُمُ": متعلق بـ "يتربص".
"الدَّوَائِرَ": مفعول به لـ "يتربص" منصوب بالفتحة.
"عَلَيْهِمْ": جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
"دَائِرَةُ": مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
"السَّوْءِ": مضاف إليه مجرور بالكسرة، والجملة الاسمية جملة دعائية أو خبرية مستأنفة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح النوايا المتربصة والعداء المستكن: تكشف الآية خطورة هذا الصنف المنافق الذي يعيش على أطراف الدولة الإسلامية؛ فهو يدفع ما عليه من حقوق بنفوس كارهة، وينتظر بفارغ الصبر وقوع كارثة أو انكسار للمسلمين في تبوك أمام الروم ليرتد ويثأر لنفسه؛ فقابلهم الله بالردع الصاعق وأحاط بهم دائرة الهلاك.
التذييل بـ {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: سميع لما يتربصون ويتناجون به من الأماني الخبيثة بهلاك المؤمنين، عليم بما تكنه صدورهم من الحقد والغدر وسيجازيهم بعدله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تشابه النفقات والخلط بين الضريبة الشرعية والمغرم الجاهلي: يزعم بعض أصحاب الأهواء أن الزكاة والصدقات غرامة مالية تثقل كاهل الأفراد كالضرائب الجاهلية المكوس!
الدفع والمحاكمة العقلية والروحية المشرقة:
الفارق بين الزكاة الشرعية والمغرم الجاهلي هو فارق ما بين الإيمان والكفر؛ فالزكاة عبادة وقربة وطهارة وبركة ونماء وسعادة للمنفق وسد لحاجة الفقير، يخرجها المؤمن بطيب نفس واغتباط؛ كما بينت الآية التالية: {قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ}.
أما جعلها "مغرماً" وخسارة فهو شأن المنافق الجاحد بالآخرة؛ فالإنفاق في الإسلام قائم على الاستثمار الأخروي والتكافل الرضائي لا على الجباية الظالمة.
الاستعارة التمثيلية في "الدائرة": استعارة الهلاك بالدائرة المحيطة؛ لأن الدائرة تحيط بالمحاط به من كل جهة فلا يجد منها مهرباً ولا خلاصاً، فمكرهم السيئ ارتد عليهم وأحاط بهم.
المشاكلة اللفظية بين تربصهم والجزاء: هم تربصوا بالمؤمنين "الدوائر"، فجعل الله "دائرة السوء" مستقرة فوق رؤوسهم ومحيطة بهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن مكر الأعداء سيرتد عليهم: تطمئن الآية قلوب المؤمنين إلى أن كيد المتربصين والمتآمرين ضد الإسلام سيبوء بالخسران، وأن العاقبة للمتقين.
تطهير النفس من استثقال النفقة الشرعية: الحذر الشديد من الشعور بضيق الصدر أو التأفف عند إخراج الزكاة والصدقات؛ فإن استثقال النفقة وعدها غرامة وخسارة من أخص صفات المنافقين المطبوع عليهم.