قال أئمة التفسير (الطبري، ابن كثير، القرطبي، ابن تيمية):
توبة الله على النبي ﷺ: ليست عن ذنب ومعصية؛ فالأنبياء معصومون من الكبائر والإقرار على الصغائر، وإنما توبته عليه هي رفعة لدرجاته، ومغفرة لما كان منه من إذن لبعض المنافقين في التخلف قبل أن يتبين أمرهم، كما قال تعالى في أول السورة: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، وتجديد للفضل والإنعام والرضوان الأبدي.
وتوبة الله على المهاجرين والأنصار: مغفرة لما خامر نفوس بعضهم من التردد أو التثاقل اليسير في ابتداء الأمر عند الخروج في شدة القيظ ونقص المؤن، وتثبيتاً لهم وتأييداً.
تفسير "سَاعَةِ الْعُسْرَةِ" وأهوال غزوة تبوك:
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والحاكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سُئل عن شأن ساعة العسرة في تبوك، فقال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع! حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده! فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادعُ الله لنا، فقال: أوتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع رسول الله ﷺ يديه فلم يردهما حتى سالت السماء مطراً، فأفرغت سحابة ملأت أوانيهم وسقت جيشهم أجمعين، ثم ذهبنا ننظر فإذا هي لم تجاوز العسكر!".
وكانت العسرة عسرة في الظهر (الركوب؛ يتعاقب النفر العشرة على بعير واحد)، وعسرة في الزاد (حتى كان الرجلان يقتسمان التمرة الواحدة يمصها هذا ثم يمصها هذا ويشربان عليها الماء)، وعسرة في الماء والحر والمال.
معنى {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ}:
أي كادت قلوب طائفة منهم تميل عن الحق والرجوع إلى المدينة من شدة المشقة والجهد والحر والعطش، ثم عصمهم الله وثبتهم حتى أتموا النفير مع رسول الله ﷺ، فتاب الله عليهم وقبل جهادهم وصبرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القراءات المتواترة في {كَادَ يَزِيغُ} و{تَزِيغُ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، ابن كثير، أبو عمرو، الكسائي): {كَادَ يَزِيغُ} بياء التذكير في الفعلين؛ لأن الفاعل "قلوب" جمع تكسير مذكر المجاز يجوز تذكير فعله وتأنيثه.
وقرأ حمزة وحفص في وجه ويعقوب وخلف العاشر: {كَادَ تَزِيغُ} بتاء التأنيث لتأنيث لفظ القلوب أو الجماعة.
تكرار التوبة مرتين في الآية {تَّابَ اللَّهُ... ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ}:
الأولى في صدر الآية: توبة الفضل والتوفيق للثبات والصبر والخروج مع النبي ﷺ في العسرة.
والثانية: توبة القبول والمغفرة لخواطر النفس والتردد الذي طرأ في تلك الظروف القاسية، وتثبيت الأجر ومضاعفة الكرامة.
الإعراب المفصل:
"لَّقَد": اللام موطئة للقسم المقدر، "قد" حرف تحقيق وتوكيد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقديم التوبة على النبي والصحابة قبل ذكر الثلاثة المخلفين: هذا الترتيب البلاغي في قمة الروعة والأدب والرحمة؛ قدّم الله توبته ورضاه عن النبي والمهاجرين والأنصار أولاً تكريماً لهم ورفعاً لشأنهم وإشعاراً بأن الجميع مفتقر إلى رحمة الله وتوبته، لكي لا يستوحش أولئك الثلاثة الذين خُلّفوا حين ينزل بيان توبتهم، بل يعلموا أن باب التوبة والمغفرة قد غمر الأمة كلها.
التذييل بـ {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}: الرأفة هي أشد الرحمة وأرقها في دفع المكاره ورفع الآلام والمشاق عن هؤلاء المجاهدين الصادقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة إثبات التوبة على النبي ﷺ وتوهم نقض العصمة: يزعم بعض الجاهلين أن ذكر التوبة على النبي يدل على وقوعه في المعصية والذنب المحبط!
الدفع والمحاكمة العقدية السنية الرصينة:
الأنبياء معصومون باتفاق علماء أهل السنة من الكبائر والشرك والإقرار على الخطأ، وتوبة الله عليهم هي توبة كمال ومحبة ورفع درجات؛ فالنبي ﷺ كان يتوب إلى الله ويستغفره في اليوم أكثر من سبعين مرة أو مئة مرة، كما في صحيح مسلم، وكان يقول: "إنه لَيُغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة".
وتوبة الله هنا هي إفاضة النور والمغفرة على اجتهاده النبوي الشريف في الإذن للمنافقين، ولما تحمله ﷺ من كرب وبلاء في تلك الغزوة، وتطهير لخواطر أصحابه؛ فحاشا لله أن تعارض التوبة كمال عصمته وسؤدده الشريف.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
التعبير بـ {سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}: إطلاق لفظ "الساعة" على مدة الغزوة التي استغرقت أسابيع طويلة تقليل لأمد الشدة في جنب دوام الأجر والكرامة؛ فمهما طالت المحنة في الدنيا فهي في ميزان الآخرة كساعة من نهار تنقضي وتخلف وراءها النعيم المقيم.
استعمال "كاد" في {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ}: تدل على مقاربة الزيغ دون وقوعه الفعلي؛ فثبتت لهم البراءة من الميل، وفُهم منها أن الخواطر البشرية والضعف الطارئ تحت وطأة العطش القاتل معفو عنه متى ما ثبت العبد في الميدان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقر العبد الدائم إلى التوبة والتثبيت: حتى خيار الأمة وسادتها وقادتها من المهاجرين والأنصار يحتاجون إلى تجديد التوبة وسؤال الله الثبات؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
الصبر في ساعات الشدائد والأزمات: ساعة العسرة تمر سريعاً ويبقى فخرها وأجرها ورضا الله فيها؛ فالواجب على أهل الإيمان الصمود عند الشدائد الاقتصادية والسياسية ومواجهة الأعداء بيقين وثبات.