أسباب النزول ومرويات الباب في الحكمة من تخلفهم: نزلت الآية الكريمة بياناً للحكمة الإلهية والرحمة الخفية بجيش المؤمنين في قعود المنافقين وتثبيطهم عن الخروج إلى تبوك. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: كان في جيش المسلمين قوم من ضعاف الإيمان وقوم حسنو الظن بأولئك المنافقين لقرابة بينهم، فلو خرج أولئك المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الجيش لقاموا بحملات التخذيل وبث الشائعات المرجفة، ولسارعوا بين الصفوف بالنميمة وإفساد ذات البين، وكان في المسلمين من يسمع كلامهم وينخدع بهم فتثور الفتنة والانشقاق في أخطر الأوقات؛ فكان تخلفهم نعمة ورحمة وصيانة للجيش من الاختراق.
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى الخبال والإيضاع:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 287)جامع البيانالطبري١٤/٢٨٧: لو خرج هؤلاء المنافقون معكم في غزوتكم هذه ما زادوكم بخروجهم إلا فساداً وشراً واضطراباً في آرائكم وعزائمكم؛ ولأسرعوا السير بينكم بالنميمة والفساد والتخذيل يبغون لكم الفتنة والفرقة والتنازع، وفيكم أناس ضعاف البصيرة يسمعون كلامهم ويقبلون تضليلهم، والله عليم بأولئك الظالمين المفسدين.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 160)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٦٠: هذا تطييب لقلوب المؤمنين من عدم خروج المنافقين؛ مبيناً أن قعودهم خير من خروجهم؛ فإنهم لو خرجوا لكانوا عبئاً وجاسوسية ومصدراً للشر؛ {مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا}: أي فساداً وجبناً، {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ}: أي لأسرعوا بين صفوفكم بالنميمة والإرجاف ونقل الأخبار للأعداء.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 195)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٩٥: الخبال في كلام العرب الفساد والاضطراب ونقصان العقل؛ والإيضاع هو السير السريع الحثيث، مأخوذ من أوضع البعير إذا عدا وأسرع في سيره؛ والخلال جمع خلل وهو الفجوة والفرجة بين الصفوف؛ والسماعون هم القابلون لكلامهم المتأثرون بدعاياتهم، وقيل هم جواسيس لهم ينقلون إليهم ما يجري.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 339)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٩: حكمة ربانية بالغة؛ فقد صرفهم الله عن الجيش صيانة له؛ لأن وجود المنافق والمخذول في الصف يفت في عضد المؤمنين ويشعل الفتن الداخلية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
خَبَالًا: الخبال الفساد والاضطراب والفتور والشر ونقصان القوة؛ وأصله في كلام العرب الفساد الذي يصيب العقل أو البدن فيخبل صاحبه.
وَلَأَوْضَعُوا: الإيضاع إسراع السير والركض؛ يقال أوضع الراكب ناقته إذا حملها على السير السريع؛ واستعير هنا للسرعة في نقل النميمة والدسائس بين صفوف الجيش.
خِلَالَكُمْ: الخلال جمع خَلَل، وهو ما بين الشيئين من فرجة وفضاء؛ وخلالكم أي بين صفوفكم وفجاج عسكركم.
يَبْغُونَكُمُ: البغي هنا طلب الشيء بحرص ومكر؛ أي يطلبون لكم الفتنة ويتحرون إيقاعها فيكم.
سَمَّاعُونَ: صيغة مبالغة من السمع؛ وتحتمل معنيين شريفين في البلاغة: إما مستجيبون ومطيعون يقبلون كلامهم وينخدعون به، وإما عيون وجواسيس يستمعون أخباركم لينقلوها إليهم.
الإعراب التفصيلي:
لَوْ: حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط.
خَرَجُوا: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
فِيكُم: جار ومجرور متعلق بـ خرجوا (أي بينكم ومعكم).
مَّا: نافية لا عمل لها.
زَادُوكُمْ: فعل ماض، والواو فاعل، والكاف مفعول به أول، والميم للجمع، والجملة جواب لو لا محل لها.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
خَبَالًا: مفعول به ثانٍ لـ زادوكم منصوب بالفتحة الظاهرة (أو تمييز).
خِلَالَكُمْ: ظرف مكان منصوب متعلق بـ أوضعوا (أي بينكم)، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.
يَبْغُونَكُمُ: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به أول والميم للجمع حركت بالضم لالتقاء الساكنين، والجملة في محل نصب حال من فاعل أوضعوا.
الْفِتْنَةَ: مفعول به ثانٍ لـ يبغونكم منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَفِيكُمْ: الواو استئنافية أو حالية، فيكم جار ومجرور خبر مقدم.
سَمَّاعُونَ: مبتدأ مؤخر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ سماعون (اللام للتقوية أو الصلة)، والجملة في محل نصب حال أو استئنافية للتحذير.
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيضاح الحكمة واللطف في التثبيط: في الآية السابقة قال {فَثَبَّطَهُمْ}، فربما توهم متوهم أن كثرة الجيش بنزولهم كانت خيراً للمسلمين في مواجهة الروم؛ فجاءت هذه الآية (47) لتبين بالتحليل الأمني والاستخباراتي الدقيق أن وجودهم كان شراً محضاً وهزيمة داخلية للصف: {مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا}.
التحذير من الطابور الخامس: تكشف الآية عن وجود فئتين خطيرتين: المنافقون المخططون لبث الفتنة {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}، وضعاف الإيمان المخدوعون بهم الذين يرددون شائعاتهم {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}؛ وهو تنبيه استخباراتي وأمني عظيم لحماية الجبهة الداخلية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة "كيف يكون في الصحابة من هو سماع للمنافقين؟":
يثير الطاعنون قوله {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} للقدح في وعي الصحابة الكرام أو اتهام بعضهم بالتواطؤ.
الرد والمحاكمة التاريخية والتربوية المحكمة:
الصحابة الكرام بشر؛ وكان في الجيش مسلمون حديثو عهد بإسلام (خاصة من طلقاء مكة وأعراب البوادي) لم تترسخ فيهم المعرفة برجال النفاق بعد؛ وكان لبعضهم قرابات وأواصر نسبية مع رؤوس النفاق، فكانوا بحسن نيتهم يصدقون ما يشيعه عبد الله بن أبيّ وأتباعه من خوف على المسلمين من الروم؛ فالآية تحذرهم وتوقظ وعيهم الأمني.
التعبير بـ {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} يدل على كثرة الاستماع والتأثر بحسن الكلام؛ والقرآن نزل ليعلم الأمة كيفية التعامل مع "الحرب النفسية والشائعات الإعلامية" الموجهة لضرب الصف الداخلي.
التربية القرآنية صهرت هذه الفئات فصارت بعد ذلك أشد حذراً ويقظة في كشف المنافقين وقطع دابر سمومهم.
الحصر بـ {مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا}: يفيد نفي أي منفعة على الإطلاق؛ فوجودهم صفر في ميزان القوة العسكرية، بل هو بالسالب لما يسببه من تشتت وفساد في الروح المعنوية.
الاستعارة الحركية في {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ}: استعارة الإيضاع (ركض الخيل والجمال) لحركة المنافقين الشيطانية في التنقل بين الخيام والكتائب لنشر الذعر وبث الأراجيف؛ لتصوير نشاطهم التخريبي في أقوى صورة حسية.
التنكير في {خَبَالًا} و{الْفِتْنَةَ}: لتفخيم هذا الفساد وبيان تنوعه بين التخذيل وإفساد القلوب وبث الرعب والشقاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
نقاء الصف أهم من ضخامة العدد: الكثرة الغثائية التي تحوي عناصر فاسدة ومثبطة خطر داهم على أي مشروع إسلامي؛ والجماعة الصادقة القليلة أنفع للدين من الآلاف المؤلفة الممتلئة بالمرتابين.
الحذر من ترويج الشائعات: على المسلم ألا يكون أذناً صاغية لكل ناعق ومرجف، وألا يتحول بحسن نيته إلى بوق يردد شائعات أعداء الدين والمنافقين في المجتمع.