أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مقاتل بن حيان ومجاهد قالا: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، وأمر بالبراءة ومنابذة المشركين، كان الرجل من المسلمين يقول لأبيه وأخيه وزوجته وقرابته: إني أريد الهجرة، فيتعلقون به ويقولون: ننشدك الله ألا تدعنا فتضيعنا ونحن أهلك وقرابتك، فمنهم من يرق قلبه فيجلس معهم ويدع الهجرة؛ فأنزل الله عز وجل ناهياً عن موالاة الآباء والإخوان إذا اختاروا الكفر على الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ}.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 190)جامع البيانالطبري١٤/١٩٠: نهى الله المؤمنين عن اتخاذ أخص القرابات (الآباء والإخوان) أولياء بالنصرة والمحبة وإفشاء الأسرار إن اختاروا الشرك على التوحيد وآثروه؛ مبيناً أن رابطة الدين تعلو على وشيجة الدم، وأن من والاهم بعد هذا النهي فقد ظلم نفسه بوضع الولاية في غير موضعها واستحق العقاب.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 128)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢٨: أمر تعالى بقطيعة الكفار ومنابذتهم وإن كانوا آباء أو إخواناً، وحرم موالاتهم إذا استحبوا الكفر؛ كما قال تعالى في سورة المجادلة: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 119)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١١٩: الولاية الممنوعة هنا هي النصرة والتأييد والمحبة القلبية للدين الذي هم عليه، وإفشاء الأسرار العسكرية والسياسية للأمة؛ أما البر الإنساني والصلة المادية الدنيوية للوالدين الكافرين فمشروع ما لم يكن فيه ضرر على الدين، لقوله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 333)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٣: الإيمان الصادق يقتضي تقديم محبة الله ورسوله على كل محبة؛ فإذا تعارضت قرابة النسب مع قرابة الدين، وجب تقديم الدين ومفاصلة المحاربين المصرين على الكفر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
لَا تَتَّخِذُوا: لا ناهية جازمة، والاتخاذ الافتعال من الأخذ؛ أي لا تصيروهم أولياء ولا تعتمدوا عليهم بطانة ونصرة.
أَوْلِيَاءَ: جمع ولي، والولي هو النصير والمحب والقريب الذي يتولى أمرك وتتولى أمره.
اسْتَحَبُّوا: السين والتاء للمبالغة والطلب؛ أي أحبوا الكفر حباً شديداً واختاروه ورغبوا فيه وآثروه على الإيمان باختيارهم وطوعهم.
الإعراب التفصيلي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: يا حرف نداء، أي منادى نكرة مقصودة والهاء للتنبيه، والذين نعت أو بدل، وجملة آمنوا صلة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
امتحان الولاء والبراء في أخص العلاقات: بعد أن بيّن الله درجات المهاجرين والمجاهدين وثوابهم في الآيات السابقة، انتقل إلى المحك التربوي الأصعب الذي يواجه المجاهد والمهاجر؛ وهو علاقة القرابة والدم (الآباء والإخوان)؛ ليميز من يقدم عاطفة النسب على أمر الله، ممن يخلص ولاءه المطلق لله ورسوله.
تخصيص الآباء والإخوان بالذكر: خص الأب الذي هو أصل الإنسان، والأخ الذي هو عضده وسنده؛ للدلالة على أن أقوى الوشائج الطبيعية تسقط وتتراجع أمام وشيجة التوحيد إذا اختار القريب محاربة الله ورسوله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفكيك الأسرة وقطع الأرحام:
يزعم بعض الحداثيين أن هذه الآية تدعو إلى تفكيك الروابط الأسرية وقطع الأرحام وزرع العداوة بين الأب وابنه.
الرد والمحاكمة العقلية المحكمة:
القرآن قيد النهي بشرط صريح حاسم: {إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ}؛ أي إن أصروا على محاربة الإسلام واختيار الكفر والعداوة لأهله؛ فالمحاربة هنا ليست لذات النسب، بل لموقفهم المحارب للدين.
الإسلام يفرق بدقة بين "الولاية السياسية والعسكرية والتواطؤ العقدي" المنهي عنه هنا، وبين "البر والإحسان الدنيوي وصلة الرحم" المأمور به قطعاً في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر لما قدمت عليها أمها المشركة: «صِلِي أُمَّكِ» (صحيح البخاري، رقم: 2620)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٢٦٢٠.
أي مواطن في دولة حديثة يتعاون استخباراتياً مع دولة معادية بحجة أن والده أو أخاه يعيش فيها، يعتبر خائناً عظمى بقوانين الأرض قاطبة؛ فكيف يستنكر ذلك على حماية أمن الجماعة المسلمة؟!
التعدية بـ {عَلَى} في {اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ}: الفعل استحب يتعدى بإلى، وتعديته هنا بـ (على) لتضمينه معنى الإيثار والتفضيل؛ أي قدموا الكفر واختاروه بمحض إرادتهم مع وضوح براهين الإيمان أمامهم.
الحصر في {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: تعريف الطرفين مع ضمير الفصل؛ لإفادة قصر صفة الظلم عليهم، لبيان أن موالاة أعداء الله أعظم الظلم لنفسه ولأمته.
النداء بالإيمان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: استنهاض للوازع العقدي؛ أي إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان فاثبتوا على مقتضاه بمفاصلة من حارب الإيمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عقيدة الولاء والبراء حامية الهوية: لا بقاء لأمة تذوب هويتها في أهواء القرابات والعصبيات؛ فالولاء للعقيدة هو الرابط الوحيد الذي يحفظ استقلال الأمة ومنعتها.
الجمع بين البر والولاء: المسلم بار بوالديه رحيم بأهله ولو كانوا غير مسلمين، ولكنه لا يداهن في دينه ولا يتنازل عن عقيدته إرضاءً لأحد من الخلق.