أسباب النزول ومرويات الباب في النهي عن الانخداع بنعم المنافقين: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: كان رؤوس المنافقين بالمدينة (كعبد الله بن أبيّ بن سلول، والجد بن قيس) ذوي أموال طائلة ونخيل وبساتين وأولاد وأعوان كُثُر؛ فربما وقع في نفوس بعض ضعاف المسلمين إعجاب بحالهم وظنوا أنهم في نعمة ورغد؛ فأنزل الله هذه الآية الكريمة ناهياً نبيه والمؤمنين عن الإعجاب بما أوتيه هؤلاء من زينة الدنيا؛ مبيناً أن هذه الأموال والأولاد إنما هي استدراج ووسيلة لعذابهم النفسي والجسدي في الدنيا، ومقدمة لهلاكهم وسوء خاتمتهم وهم كافرون.
أقوال أئمة السلف والتفسير في كيفية تعذيبهم بها في الدنيا:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 312)جامع البيانالطبري١٤/٣١٢: فلا يعجبك يا محمد ما بسطنا لهؤلاء المنافقين من الأموال في دنياهم وما رزقناهم من البنين والأولاد؛ فإن ذلك ليس لكرامتهم علينا، وإنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا بما يلحقهم من مشقة جمعها وحراستها، والهموم والغموم في حفظها، وبما يفرضه عليهم من أدائها في النفقات والجهاد مراءاة ومداراة كارهين، وبالمصائب في أولادهم؛ حتى تخرج أرواحهم وتفارق أبدانهم وهم مقيمون على الكفر فيموتون على أسوأ حال.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 168)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٦٨: هذا استدراج من الله تعالى لهم، كما قال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ}؛ وتعذيبهم بها هو التعب الشديد في تحصيلها والخوف عليها من التلف والنهب والمصائب التي تصيبهم فيها، ثم مفارقتها بالموت حسرة وندامة مع بقاء وزرها ومحاسبتهم عليها في الآخرة.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 215)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢١٥: إعجاب النفس بالشيء هو استحسانه ورؤيته بعين التعظيم والغبطة؛ والزهوق خروج النفس والروح بشدة ومشقة؛ وأشد العذاب أن يموت الإنسان كافراً محروماً من رحمة ربه.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 341)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٤١: نهى الله عن الاغترار بأموال المنافقين وأولادهم؛ فليست دليلاً على محبة الله ورضاه، بل هي وبال عليهم؛ فالأموال تلهيهم وتورثهم القلق، وتموت قلوبهم في حبها حتى تنزع أرواحهم وهم كافرون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
فَلَا تُعْجِبْكَ: الفاء فصيحة عاطفة، لا ناهية جازمة؛ والإعجاب هو السرور بالشيء واستحسانه والغبطة به واستعظامه.
لِيُعَذِّبَهُم: التعذيب هنا هو المشقة النفسية والجسدية والقلق والهم الدائم؛ واللام لام كي أو لام العاقبة والصيرورة أو زائدة مؤكدة لإرادة الله.
وَتَزْهَقَ: الزهوق هو الخروج الصعب والذهاب والهلاك؛ مأخوذ من زَهَقَتْ نَفْسُهُ إذا خرجت روحه بشدة، وزهق الباطل إذا اضمحل وهلك وبطل.
الإعراب التفصيلي:
فَلَا: الفاء عاطفة تفريعية، لا ناهية جازمة.
تُعْجِبْكَ: مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره هي، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم.
أَمْوَالُهُمْ: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهم مضاف إليه.
وَلَا أَوْلَادُهُمْ: الواو عاطفة، لا لتأكيد النهي، أولادهم معطوف مرفوع، وهم مضاف إليه.
إِنَّمَا: أداة حصر وقصر كافة ومكفوفة.
يُرِيدُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
لِيُعَذِّبَهُم: اللام لام التعليل أو زائدة للتوكيد، يعذبهم مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام بالفتحة، والفاعل مستتر يعود على الله، والهاء مفعول به والميم للجمع؛ والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ يريد (أي يريد الله تعذيبَهم).
بِهَا: جار ومجرور متعلق بـ يعذبهم.
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا: جار ومجرور ونعت متعلق بـ يعذبهم.
أَنفُسُهُمْ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهم مضاف إليه.
وَهُمْ: الواو للحال، هم ضمير منفصل مبتدأ.
كَافِرُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل تزهق (أي تموت أنفسهم متلبسين بالكفر).
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم الآية ورسمها وضبطها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قطع مادة الغبطة والانبهار بالمنافقين: بعد أن ذكرت الآية (54) بخلهم وكراهيتهم للإنفاق، ربما تساءل مؤمن فقير: كيف يملكون هذه الأموال الضخمة والأولاد الكثر وهم منافقون ونحن نعاني شظف العيش في سبيل الله؟! فجاءت هذه الآية (55) لتقلب التصور البشري رأساً على عقب: هذه النعم ليست إكراماً بل هي عين العذاب وسوط الاستدراج.
المقابلة بين المظهر والمخبر: مظهر الأموال والأولاد نعمة وفرح وزينة، ومخبرهم الحقيقي وحقيقتهم عذاب وقلق وحسرة وسوء خاتمة؛ ليربي القرآن الأمة على النظر إلى مآلات الأشياء لا إلى ظواهرها الخادعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة "كيف يكون المال والولد عذاباً في الحياة الدنيا؟":
يرى الإنسان السطحي أن المال والولد عنوان السعادة والراحة، فكيف يعذبهم الله بهما في الدنيا؟
الرد والمحاكمة النفسية والواقعية المعاصرة:
صاحب المال المحروم من الإيمان يعيش في جحيم نفسي دائم: شقاء في جمعه، ورعب هستيري من نقصانه أو كساده، وحروب مع المنافسين، ومخاوف من الضرائب وسلب الأموال، وتناحر بين أولاده على الميراث؛ فهو عبد لماله لا يذوق طعم الراحة ولا السكينة.
النعمة إذا خلت من شكر المنعم والسكينة الإيمانية انقلبت نقمة واحتراقاً داخلياً؛ كم من ثري ينتحر أو يعيش على المهدئات النفسية ولديه الملايين! وهذا عين التعذيب بالمال في الحياة الدنيا.
وفوق ذلك: إخراج النفقات والصدقات في المجتمع المسلم مداراة للمسلمين يقطع قلوبهم حسرة؛ لأنهم ينفقون وهم كارهون فيجتمع عليهم ألم البذل مع حرمان الأجر.
أسلوب النهي المؤكد {فَلَا تُعْجِبْكَ}: نهي للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته؛ لحسم أي تطلع أو غبطة لأموال الفاسقين.
الحصر بـ {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ}: قصر إرادة الله في إمدادهم بالمال والولد على تعذيبهم بها؛ لبيان أن هذا الإمداد ليس فيه مثقال ذرة من كرامة أو محبة.
استعمال لفظ {تَزْهَقَ} دون تموت: للتصوير الحسي لصعوبة نزع الروح؛ فالزهوق خروج الروح بعد التصاق شديد بالدنيا، فيكون خروجها تمزيقاً لنفوسهم وهم يتحسرون على ما تركوا من أموال وبنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم الانبهار بحضارة الكفر وأموالها: على المسلم ألا يبهره بريق الثروات والتقنيات والأموال التي يمتلكها أعداء الدين والمنافقون؛ فكلها أسباب عذاب وقلق ما لم تؤطر بالإيمان والتوحيد.
الخوف من سوء الخاتمة: أعظم مصيبة يمنى بها العبد أن تزهق نفسه وهو كافر أو منافق؛ فليكن هم المسلم الأول هو الثبات على التوحيد حتى يلقى الله بقلب سليم.