وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أسباب النزول الصحيحة الصريحة في الصحاح:
قصة وفاة أبي طالب (عم النبي ﷺ): أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم 1360)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٦٠ ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، رقم 24)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤ عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله! فقال أبو جهل وابن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعاودانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب! وأبى أن يقول لا إله إلا الله؛ فقال النبي ﷺ: والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك! فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ}، وأنزل الله في أبي طالب: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}".
قصة زيارة النبي ﷺ لقبر أمه آمنة بنت وهب: أخرج مسلم في صحيحه (رقم 976)مصدر غير محددحديث رقم ٩٧٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي؛ فزوروا القبور فإنها تذكر الموت".
استغفار بعض الصحابة لآبائهم المشركين: أخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان! فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟! فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟! فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
صيغة النفي المقتضية للتحريم القاطع (مَا كَانَ):
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ}: هذا التركيب في لغة القرآن لا يفيد مجرد نفي الوقوع في الماضي، بل يفيد "امتناع الشأن واستحالته شرعاً"، وهو أبلغ صيغ النهي والتحريم والمنع؛ كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ}، وقوله: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}؛ والمعنى: لا ينبغي ولا يحل ولا يجوز قط بحال من الأحوال للنبي والمؤمنين أن يستغفروا للمشركين.
بموتهم على الشرك والكفر؛ فمن مات مشركاً فقد تيقن دخوله النار بنص الوحي.
بإعلام الله لنبيه بوحيه الخاص في حق أقوام بأعيانهم أنهم سيموتون على الكفر. أما المشرك الحي فيجوز بل يستحب الدعاء له بالهداية والتوفيق للإسلام، وإنما الممنوع هو طلب المغفرة له وهو على كفره.
الإعراب المفصل:
"مَا": نافية مهملة تعمل عمل ليس أو نافية للجنس.
"كَانَ": فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
"لِلنَّبِيِّ": جار ومجرور شبه جملة خبر كان مقدم.
"وَالَّذِينَ": معطوف على النبي في محل جر.
"آمَنُوا": ماض وفاعله، والصلة لا محل لها.
"أَن": حرف مصدري ونصب.
"يَسْتَغْفِرُوا": مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول (استغفارهم) في محل رفع اسم "كان" مؤخر.
"لِلْمُشْرِكِينَ": جار ومجرور متعلق بـ "يستغفروا".
"وَلَوْ": الواو حالية أو عطوفة، "لو" وصلية شرطية.
"كَانُوا": ماض ناقص واسمه الواو.
"أُولِي": خبر كانوا منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
"قُرْبَىٰ": مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة.
"مِن بَعْدِ": متعلق بـ "يستغفروا"، وبَعْدِ مضاف.
"مَا": مصدرية (أو موصولة).
"تَبَيَّنَ": ماض مبني على الفتح.
"لَهُمْ": متعلق بـ "تبين".
"أَنَّهُمْ": حرف توكيد ونصب وهم اسمها.
"أَصْحَابُ": خبر "أنّ" مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
"الْجَحِيمِ": مضاف إليه مجرور بالكسرة، والمصدر المؤول في محل رفع فاعل للفعل "تبين".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء عقيدة الولاء والبراء فوق عواطف القرابة والنسب: ترسي هذه الآية أصلاً عقدياً عظيماً؛ وهو أن رابطة التوحيد والعقيدة مقدمة على رابطة الدم والرحم؛ فإذا انقطعت عروة الإيمان بموت المشرك على كفره، انقطعت معه كل وشيجة استغفار أو شفاعة أو ترحم، ولو كان أبا النبي أو عمه أو أقرب قريب.
حماية حمى التوحيد من العبث والاستخفاف: الاستغفار لمن مات مشركاً مستحيل عقلاً وشرعاً؛ لأن الله قضى قضاءً أزلياً مبرماً بأنه لا يغفر للمشرك إذا مات على شركه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}، فطلب المغفرة له اعتراض على حكم الله ومكابرة لمشيئته وتكذيب لوعيده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الترحم الإنساني المعاصر على غير المسلمين ودعوى التسامح المطلق: يثير بعض الليبراليين والمتفلتين المعاصرين شبهة أن منع الترحم على المشركين والكفار يتعارض مع الإنسانية والرحمة!
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية الصارمة:
الرحمة والإنسانية في الإسلام مؤطرة بميزان العدل والتوحيد؛ فالله تعالى هو أرحم الراحمين، وهو الذي خلق الإنسان ورزقه وأنزل له الرسل والبينات، فإذا عانده العبد ومات جاحداً بربوبيته مستكبراً عن عبادته، فقد اختار بنفسه الجحيم وسقطت عنه كل رحمة شرعية وأخروية.
والإسلام أوجب البر والقسط والإحسان إلى الكافر الحي غير المحارب في الدنيا (صلة الوالد المشرك، عيادته، إطعامه، العدل معه)، ولكن حين يموت مشركاً تصبح قضيته مع الله، والترحم عليه بعد كفره كذب على الله وتزييف للحقائق واعتداء في الدعاء؛ فالجنة ليست ملكاً لأحد يقسمها بعواطفه، بل هي محرمة على المشركين بنص الكتاب والسنة وإجماع الأنبياء.
أسلوب المبالغة بـ {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ}: قطع لكل استثناء عاطفي؛ فالقرابة مهما بلغت قوتها (أب، أم، عم، ابن) تذوب أمام حرمة التوحيد ومفاصلة الشرك.
التعبير بـ {أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}: وصفهم بالأصحاب (من الصحبة والملازمة) يفيد خلودهم الأبدي وتلازمهم التام مع عذاب النار، مما يجعل الاستغفار لهم لغواً ومحاولة لتغيير ما لا يتغير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إجماع الأمة على حرمة الترحم على من مات على الشرك والكفر: الآية نص قطعي أجمعت عليه الأمة قاطبة في تحريم الاستغفار أو الصلاة أو الترحم على من مات كافراً أو مشركاً، ووجوب التفريق بين الإحسان الدنيوي الحي وبين المفاصلة العقدية بعد الموت.
الدعاء لغير المسلمين الأحياء بالهداية: الواجب على المسلم تجاه غير المسلمين في حياتهم هو الاجتهاد في دعوتهم برحمة وحكمة، والدعاء لهم بالهداية وشرح الصدور للإسلام، كما دعا النبي ﷺ: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون".