أسباب النزول ومرويات الباب والنبوءة المستقبلية المتحققة: تتويج للبشارة الإلهية السابقة؛ وإعلان لوعد كوني وتاريخي قطعي بظهور الإسلام وهيمنته. أخرج الإمام مسلم في صحيحه (رقم: 2889)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٨٩ وأحمد في المسند (رقم: 24443)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٤٤٣ عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا». وأخرج الإمام أحمد في المسند (رقم: 16957)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٩٥٧ عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ؛ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ».
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى ظهور الدين:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 231)جامع البيانالطبري١٤/٢٣١: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}: ليعلي هذا الدين القويم الذي أرسل به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على سائر أديان أهل الأرض من يهودية ونصرانية ومجوسية وشرك، بالحجة والبرهان، وبالسيف والسلطان والغلبة حتى يدخل هذا الدين كل بيت.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 139)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣٩: الهدى هو العلم النافع والأنباء الصادقة، ودين الحق هو الأعمال الصالحة والشرائع العادلة؛ وأظهره الله بالحجة والبيان على كل المذاهب، وأظهره بالسيف والفتوحات فدانت له ممالك كسرى وقيصر وملك المسلمون مشارق الأرض ومغاربها، وسيتحقق كمال هذا الظهور عند نزول عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان حيث لا يبقى على وجه الأرض دين إلا دين الإسلام.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 150)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٥٠: استدل بالآية على أن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه؛ وظهوره قسمان: ظهور بالحجة والبراهين الساطعة وهو مستمر في كل زمان، وظهور بالقهر والغلبة والملك في الأرض.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 335)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٥: جمع الله لرسوله بين الهدى في الأقوال والأخبار والاعتقادات، ودين الحق في الأفعال والأحكام والأخلاق؛ وبهذين الأصلين استحق أن يظهر على كل الأديان الباطلة المحرفة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
بِالْهُدَىٰ: الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية، والمراد به هنا: العلم النافع، والعقيدة الصحيحة، والقرآن المعجز.
وَدِينِ الْحَقِّ: دين الحق هو الشريعة العادلة، والعمل الصالح، والالتزام بأوامر الله ونواهيه؛ وأضيف الدين إلى الحق للدلالة على ملازمته للصدق والعدل.
لِيُظْهِرَهُ: الظهور العلو والارتفاع والغلبة والبيان؛ يقال ظهر على عدوه إذا غلبه وقهر أمره.
كُلِّهِ: لفظ توكيد يفيد الاستغراق والشمول لكل دين وملة ونحلة في الأرض.
الإعراب التفصيلي:
هُوَ: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
الَّذِي: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
أَرْسَلَ: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
رَسُولَهُ: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه؛ والجملة صلة الموصول لا محل لها.
بِالْهُدَىٰ: الباء للمصاحبة أو الملابسة، الهدى اسم مجرور بالكسرة المقدرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور حال من رسوله (أي ملتبساً بالهدى).
وَدِينِ الْحَقِّ: معطوف على الهدى مجرور بالكسرة، والحق مضاف إليه.
لِيُظْهِرَهُ: اللام لام التعليل، يظهره مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله (أو على الرسول)، والهاء مفعول به يعود على الدين (أو الرسول). والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ أرسل.
عَلَى الدِّينِ: جار ومجرور متعلق بـ يظهره.
كُلِّهِ: توكيد معنوي لـ الدين مجرور بالكسرة، والهاء مضاف إليه.
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ: الواو حالية، لو شرطية وصلية، كره فعل ماض والمشركون فاعل مرفوع بالواو، وجواب الشرط محذوف تقديره (لأظهره ولو كره المشركون).
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم الآية وضبطها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج البشارة وإعلان النصر النهائي: في الآية (32) أخبر أن الله يأبى إلا أن يتم نوره، ثم جاءت هذه الآية (33) لتبين "كيفية هذا الإتمام ووسيلته الواقعية"؛ وهو إرسال النبي الخاتم بالهدى ودين الحق، وضمان ظهوره وعلوه على جميع الأديان والملل قاطبة؛ لتكون خاتمة المقطع باعثة على أعلى درجات الأمل واليقين.
التوازن بين العلم والعمل: عبر بـ {بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ}؛ فالهدى علم، ودين الحق عمل؛ ولا يظهر دين في الأرض إلا إذا جمع بين صحة المعرفة واستقامة السلوك، وهذا متفرد في الإسلام دون غيره من الأديان المحرفة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة بقاء أديان ومذاهب أخرى في الأرض تناقض قوله {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}:
يزعم بعض المشككين أن وجود مليارات من أتباع الأديان الأخرى اليوم يناقض هذا الوعد القرآني.
الرد والمحاكمة العقلية والتاريخية المحكمة:
الظهور بالحجة والبرهان مطلق وناجز: لا يوجد دين على وجه الأرض يملك كتاباً معجزاً محفوظاً بحرفه وتفاصيله وبراهينه العقلية المتسقة مع الفطرة كالإسلام؛ ففي ميدان الحجة والجدال العقلي، الإسلام ظاهر وقاهر لكل شبهات الشرك والإلحاد.
الظهور التاريخي والسياسي: في القرون الأولى للإسلام، ابتلع هذا الدين الإمبراطوريات العظمى (فارس والروم) وامتد سلطانه من أسوار الصين إلى جنوب فرنسا في أقل من قرن في معجزة عسكرية وسياسية لم يشهد التاريخ البشري لها مثيلاً.
الظهور الأخير الحتمي: النصوص النبوية الصريحة تقرر أن الظهور التام النهائي الجامع العام لكل بقعة في الأرض سيقع قطعاً؛ بنزول عيسى بن مريم عليه السلام وكسره للصليب وقتله للخنزير ووضعه للجزية حتى لا يقبل إلا الإسلام، وبانتشار هذا الدين حتى يبلغ ما بلغ الليل والنهار؛ فهذا وعد قرآني مستمر التحقق عبر الزمن.
ضمير الفصل والمبتدأ الحصري {هُوَ الَّذِي}: يفيد القصر والاختصاص؛ أي الله وحده صاحب القدرة والحكمة هو الذي تكفل بهذه الرسالة ونصرها وإظهارها، فلا راد لقضائه.
التوكيد الجامع العام بـ {كُلِّهِ}: تأكيد بليغ على استغراق جميع الأديان الباطلة والنحل الفاسدة؛ فلا يشذ دين ولا مذهب عن الخضوع لحجة الإسلام وبرهانه.
المقابلة بين الآيتين في التذييل:
في الآية (32) قال: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} لمناسبة ذكر الإطفاء بالأفواه والجحود العام.
وفي الآية (33) قال: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} لمناسبة دعوى الشرك والولد في عزير والمسيح واتخاذ الأحبار أرباباً؛ ليتكامل الرد على الكفر والشرك معاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرف الانتماء لرسالة الهدى: الواجب على المسلم أن يستشعر عزة هذا الدين وشرفه؛ فهو دين الحق المنصور من الله، والذي كتب له الظهور والغلبة على كل أفكار البشر ومناهجهم.
مسؤولية البلاغ ونصرة الدين: ظهور الدين لا يعني تواكل المسلمين وقعودهم، بل يوجب عليهم العمل الدؤوب لتبليغ هذا الهدى بلسان العصر وحسن الأخلاق وإقامة الحجة ليشاركوا في تحقيق هذا الوعد الإلهي العظيم.