أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت هذه الآية الكريمة كاشفة للنفسية العميقة والعداوة الدفينة التي تنطوي عليها قلوب المشركين تجاه المؤمنين؛ محذرة من الانخداع بما يبدونه بألسنتهم من لين الكلام والتودد الدبلوماسي المصطنع حال ضعفهم أو حاجتهم للمسلمين.
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى {إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}:
روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، جـ 14، ص 144)جامع البيانالطبري١٤/١٤٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك:
الإلّ: القرابة والرحم؛ يقال في كلام العرب: ليس بيني وبينه إلٌّ ولا ذمة، أي قرابة ولا عهد. وقيل: الإلّ هو الله عز وجل بالعبرانية أو الآرامية القديمة كقولهم جبرائيل وإسرائيل، والمعنى لا يراقبون فيكم الله. ورجح الطبري أن الإلّ هو القرابة والعهد والحلف المحكم.
الذمة: العهد والأمان والحرمة التي يذم الإنسان على إضاعتها؛ فالمعنى: إن ظفروا بكم لم يراعوا فيكم قرابة نسب، ولا عهد ميثاق وأمان.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 113)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١٣: يحث الله تعالى المؤمنين على مباينتهم ومعاداتهم، ويبرهن على عدم استحقاقهم لأي ميثاق؛ لأنهم لو ظهروا (أي غلبوا وظفروا) بالمسلمين لأذاقوهم أشد العذاب ولم يرحموا قرابتهم ولا عهودهم، وإنما يدارونكم بالألسنة تقية وخداعاً.
قال القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 85)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٨٥: الإلّ بكسر الهمزة وتشديد اللام أصله الصفاء والتوكيد، ويطلق على القرابة والجوار والحلف واليمين؛ والآية تصف الغدر المتأصل فيهم إن تمكنوا.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 330)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٠: هذا برهان عقلي قاطع على وجوب البراءة منهم؛ فالعداوة العقدية عندهم تأكل كل الروابط الإنسانية؛ فلا قرابة تمنعهم ولا عهد يزجرهم متى تمكنوا، وما كلامهم المعسول إلا تغطية لما في القلوب من الغل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ: الظهور على الشيء الغلبة عليه والتمكن منه والظفر به وقهر؛ وأصله الصعود على ظهره والاستعلاء عليه.
إِلًّا: أصله في لغة العرب يدور حول الحلف والعهد والقرابة والصفاء، ومنه أَلَّ يَؤُلُّ إِلاً إذا أخلص وحلف وأكد.
ذِمَّةً: العهد والضمان والأمان، وسميت ذمة لأن نقضها يوجب الذم واللوم والتبعة.
تَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ: الإباء شدة الامتناع مع كراهة وعزة ونفور.
الإعراب التفصيلي:
كَيْفَ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره (كيف حالهم؟)، أو في محل نصب بفعل محذوف تقديره (كيف توالونهم؟ أو كيف يكون لهم عهد؟).
وَإِن: الواو للحال، إن حرف شرط جازم.
يَظْهَرُوا: فعل مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط، والواو فاعل.
عَلَيْكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يظهروا.
لَا يَرْقُبُوا: لا نافية، يرقبوا فعل مضارع مجزوم بحذف النون جواب الشرط، والواو فاعل.
فِيكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يرقبوا.
إِلًّا: مفعول به لـ يرقبوا منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَلَا ذِمَّةً: الواو عاطفة، لا لتأكيد النفي، ذمة معطوف منصوب. والجملة الشرطية في محل نصب حال.
يُرْضُونَكُم: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به، والميم للجمع، والجملة استئنافية لبيان حالهم أو حال ثانية.
بِأَفْوَاهِهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ يرضونكم، وهم مضاف إليه.
وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ: الواو حالية، تأبى مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، قلوبهم فاعل والهاء مضاف إليه، والجملة في محل نصب حال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعادة الاستفهام للتهويل والتوكيد: كرر الاستفهام في {كَيْفَ} للمرة الثانية بعد الآية السابقة؛ لتعميق الإنكار وربط المشهد بآثاره الواقعية؛ فكأنه يقول: كيف تثقون بهم؟ وكيف يكون لهم عهد والحال أنهم إن ظفروا بكم أبادوكم ولم يرقبوا فيكم رحماً ولا ميثاقاً؟!
المقابلة التناقضية بين الظاهر والباطن: أبرزت الآية التناقض الصارخ في سلوكهم: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ} في الظاهر، يقابله {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} في الباطن؛ لتحذير الصف المسلم من السذاجة الدبلوماسية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اتهام النوايا والحكم على القلوب:
قد يقول قائل: كيف يحكم القرآن بأن قلوبهم تأبى وبأنهم يضمرون الغدر، أليس هذا حكماً على النوايا والمغيبات؟
الرد والمحاكمة العقلية والتاريخية:
هذا إخبار من الله العليم بذات الصدور، الذي يعلم السر وأخفى ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
التاريخ والواقع العملي صدقا هذا الإخبار الإلهي تماماً؛ فقد كان مشركو مكة والقبائل إذا تمكنوا من المسلمين أذاقوهم سوء العذاب (كما فعلوا بآل ياسر، وبلال، وخبيب بن عدي حين صلبوه وغدروا به في الرجيع، وشهداء بئر معونة السبعين الذين غدرت بهم رعل وذكوان وعصية رغم إعطائهم الأمان).
الآية لا تمنع قبول ظاهر المعاهدات إن استقام أصحابها، بل تنبه إلى "الطبيعة البنيوية" للعداوة العقدية متى حصل الاستعلاء والتمكن، ليبقى المسلمون على حذر ويقظة دائمين.
الحذف البلاغي في قوله {كَيْفَ}: حذف جملة الاستفهام والتعقيب بالواو الحالية {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} لإفادة التعجب البالغ؛ كأن المعنى: كيف تطمعون في وفائهم أو تلتمسون لهم عذراً وحالهم الحقيقي هو الغدر المطلق عند الغلبة؟!
التعبير بـ {بِأَفْوَاهِهِمْ} دون ألسنتهم: لم يقل بألسنتهم، بل قال {بِأَفْوَاهِهِمْ}؛ لإشعار السامع بأن هذا الكلام مجرد أصوات تخرج من تجاويف الأفواه خالية من أي نبض قلبي أو صدق باطني، وأن مسافة التباعد بين أفواههم وقلوبهم شاسعة جداً.
التنكير في {إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}: تنكير لتقليل والتحقير في سياق النفي؛ ليدل على أنهم لا يراعون أدنى درجات القرابة ولا أصغر ميثاق أو ذمة متى سنحت لهم فرصة الغلبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
معيار الحكم هو التمكين والمحك: الصديق من العدو لا يُعرف في أوقات الضعف والمجاملات الدبلوماسية، بل يُعرف عند التمكن والقدرة والظهور؛ فإذا ظهر الخصم ولم يرحم استبان خبث طويته.
الإنصاف القرآني في التقييم: قوله {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} برهان على إنصاف القرآن العظيم؛ فلم يقل كلهم فاسقون، بل قال {أَكْثَرُهُمْ}، إبقاءً على من قد يسلم منهم أو يفي بعهده ويراجع عقله، وهو تعليم للمؤمنين بالعدل والموضوعية في الحكم على الخصوم.