أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن مجاهد وابن زيد وقتادة أن الآية نزلت في كفار قريش حين نقضوا عهدهم يوم الحديبية، وسموا «أئمة الكفر» لأنهم قادة الضلال ورؤوس الشرك كأبي جهل وعتبة بن ربيعة وأبي سفيان (قبل إسلامه) وسهيل بن عمرو. وروى البيهقي في السنن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، واستدل بهذه الآية على قتال من خرج يطعن في الدين.
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى {أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} والطعن في الدين:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 155)جامع البيانالطبري١٤/١٥٥: إن نقض هؤلاء المعاهدون عهودهم ومواثيقهم التي أخذتموها عليهم، وعابوا دينكم الإسلام وقدحوا فيه وانتقصوا منه بالطعن والسخرية، فقاتلوا قادتهم ورؤساءهم الذين يحملونهم على الضلال؛ فإنهم لا وفاء لأيمانهم ولا حرمة لمواثيقهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 117)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١٧: استدل بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو طعن في دين الإسلام قُتل حدا، ولا عهد له ولا أمان؛ لأن الطعن في الدين نقض صريح لأصل الأمان، وجعل فاعله من أئمة الكفر الذين أمر الله بقتالهم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 92)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٩٢: الطعن في الدين القدح فيه وعيبه، والطعن يطلق باللسان كما يطلق بالرمح؛ وطعن اللسان أشد وأبلغ في الإيذاء من طعن الرمح. واستدل بالآية شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفذ «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص 16)مصدر غير محدد١٦ على وجوب قتل الساب والخاذل الطاعن في الدين حتى لو كان معاهداً.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 330)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٠: قيد القتال هنا بشرطين: نكث الأيمان، والطعن في الدين؛ فإذا اجتمعا وجب قتال أئمة الكفر الذين يوجهون المعركة الفكرية والعسكرية، ورجاء انتهائهم عن الغي هو المقصد الشرعي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
نَّكَثُوا: النكث نقض ما أُبرم وفُتل، مأخوذ من نكث الحبل أو الغزل إذا نقضه وفك طاقاته بعد إحكام فتلها؛ واستعير لنقض العهد المؤكد بالحلف.
أَيْمَانَهُم: جمع يمين، وهي الحلف والقسم؛ وسميت يميناً لأنهم كانوا في الجاهلية إذا تحالفوا أخذ كل واحد منهم بيمين صاحبه.
وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ: الطعن القدح والعيب والاستهزاء والاستخفاف؛ وأصله في الأجسام بالرمح أو السلاح النافذ، ثم استعمل مجازاً في الأعراض والأديان.
أَئِمَّةَ: جمع إمام، وهو القدوة والمتبوع والمقدم في قومه الذي يقتدى به في الخير أو الشر؛ ومنه إمام الهدى وإمام الضلال.
لَا أَيْمَانَ لَهُمْ: الأيمان هنا جمع يمين بمعنى القسم والعهد؛ وقرئ في الشواذ بكسر الهمزة {إِيمَانَ} أي لا تصديق ولا دين لهم.
الإعراب التفصيلي:
وَإِن: الواو عاطفة، إن حرف شرط جازم.
نَّكَثُوا: فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ: معطوف على نكثوا، وفي دينكم جار ومجرور متعلق به.
فَقَاتِلُوا: الفاء رابطة لجواب الشرط، قاتلوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
أَئِمَّةَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
الْكُفْرِ: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
إِنَّهُمْ: إن واسمها.
لَا: نافية للجنس تعمل عمل إن.
أَيْمَانَ: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
لَهُمْ: جار ومجرور في محل رفع خبر لا النافية للجنس، والجملة الاسمية (لا أيمان لهم) في محل رفع خبر إن، وجملة إنهم تعليلية للأمر بالقتال.
لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ: لعل واسمها، وجملة ينتهون خبرها في محل رفع، وجملة لعلهم تعليلية ترجية لمقصد القتال.
توجيه القراءات:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف: {أَئِمَّةَ} بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والياء دون مد أو بإدخال ألف، وقرأ حفص بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وكلها لغات فصيحة في جمع إمام.
وقرأ ابن عامر والحسن في الشواذ: {إِنَّهُمْ لَا إِيمَانَ لَهُمْ} بكسر الهمزة (مصدر آمن يؤمن إيماناً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الحسم والردع لمن يغدر بعد الأمان: بعد أن فتحت الآية (11) باب التوبة والأخوة، حذرت هذه الآية (12) من النكوس والنكث؛ لئلا يظن ظان أن التسامح الإسلامي سذاجة أو ضعف؛ فمن عاهد ثم نكث وطعن واجهته الأمة بقوة لا ترحم موجهة إلى رؤوس الفتنة وقادتها {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ}.
ربط القتال بانتهاء البغي: ختمت الآية بقوله {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}؛ لبيان أن القتال حتى مع قادة الكفر ليس غرضه إراقة الدماء عبثاً، بل زجرهم وردعهم لعله يكسر كبرياءهم فينتهوا عن نكثهم وطعنهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مصادرة حرية الرأي في قوله {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ}:
يزعم بعض العلمانيين أن قتال الطاعنين في الدين يصادر حرية التعبير والنقد الفكري.
المحاكمة العقلية والتحقيق الشرعي:
الطعن المذكور هنا ليس نقاشاً علمياً متجرداً أو طلباً للمعرفة (الذي أمّنه القرآن في آية 6: {حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ})؛ بل هو شتيمة وسب واستخفاف وعدوان نفسي مقترن بنقض العهود العسكرية {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عهدِهِمْ}.
أي دولة في العالم اليوم تعتبر الإساءة إلى الرموز الدستورية والتحريض على النظام العام المقترن بالخيانة العظمى ونكث قسم الولاء جرائم كبرى تستوجب أقصى العقوبات؛ فكيف إذا كان ذلك موجهاً إلى عقيدة الأمة وهوية وجودها؟
استهداف "أئمة الكفر" يثبت الذكاء العسكري؛ لأن هؤلاء القادة هم الذين يشعلون الفتن ويدفعون الأتباع للهاوية؛ فإذا قُمع الرأس خمد الجسد وانتهت الفتنة.
الاستعارة في {نَّكَثُوا} و{طَعَنُوا}: استعارة النكث لفك العهود واستعارة الطعن للسب والاستهزاء؛ لتصوير الجريمة في أبشع صورها الحسية، فكأن الناكث يمزق نسيج المجتمع، وكأن الساب يغرس خنجراً مسموماً في قلب الأمة.
التنكير والنفي للجنس في {لَا أَيْمَانَ لَهُمْ}: استغراق تام لنفي كل عهد وقسم؛ أي لا قيمة لأيمانهم، ولا أمان يحميهم، ولا وثيقة تثبت لهم بعد أن أهدروا كرامة الميثاق.
التعبير بـ {أَئِمَّةَ الْكُفْرِ}: للدلالة على أنهم صاروا قدوات ونماذج متقدمة في الشر والضلال، وأن مواجهتهم يجب أن تكون استراتيجية نوعية بضرب مراكز القيادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم المداهنة في ثوابت الدين: للمسلم أن يسالم ويصالح في الشؤون الدنيوية والسياسية، لكنه لا يجوز له بحال أن يسكت عن الطعن في دينه ومقدساته ونبيه؛ فالذود عن حياض الدين فريضة وشرف.
إسقاط هيبة أئمة الباطل: الواجب على الأمة تكسير هيبة الطواغيت وأئمة الضلال الذين يصدون الناس عن سبيل الله، ليعلم الأتباع أن قادتهم عاجزون عن حماية أنفسهم.