أسباب النزول ومرويات الباب ومناظرة أبي ذر ومعاوية: أخرج البخاري في صحيحه (رقم: 1406)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٠٦ عن زيد بن وهب قال: مررتُ بالرَّبَذةِ، فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشأمِ، فاختلفتُ أنا ومعاوية في: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}؛ قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصة، فقلتُ: نزلت فينا وفيهم! فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتُها فكثر عليّ الناس كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرتُ ذلك لعثمان فقال لي: إن شئتَ تنحيتَ فكنتَ قريباً، فذلك الذي أنزلني هذا المنزل. وروى البخاري (رقم: 1404)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٠٤ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أعرابياً سأله عن هذه الآية، فقال ابن عمر: «مَنْ كَنَزَ فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهُورًا لِلأَمْوَالِ».
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى الكنز وأكل أموال الناس بالباطل:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 235)جامع البيانالطبري١٤/٢٣٥: افتتحت الآية بالتحذير من علماء السوء ورهبان الضلال الذين يأخذون الرشى، ويستحلون أموال أتباعهم بصكوك الغفران وبدع التحليل والتحريم، ثم انتقل إلى وعيد كبار المكنزين للأموال؛ ورجح الطبري ما عليه جمهور الصحابة والتابعين وعامة الفقهاء: أن الكنز المذموم شرعاً هو كل مال لم تؤدَّ زكاته المفروضة، سواء كان مدفوناً في باطن الأرض أو ظاهراً على وجهها؛ فإذا أُديت زكاته فليس بكنز وإن كان قناطير مقنطرة؛ وأما إن حُبست زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه وإن كان درهماً واحداً.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 140)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٤٠: حذر الله المؤمنين من التشبه بالأحبار والرهبان في أكلهم أموال الناس بالباطل بالرشى والرشوة في الأحكام والتحريف؛ ثم قرن ذلك بالتحذير من كنز الأموال ومنع حقوق الله فيها، مؤكداً أن الآية عامة في أهل الكتاب وفي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال أبو ذر رضي الله عنه؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 154)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٥٤: أكل المال بالباطل يشمل كل وجه لم يأذن به الشرع كالسحت والرشوة والغصب وبيع الفتاوى والشهادات الزور؛ وأما الكنز فهو الجمع والادخار مع المنع للواجب؛ واستدل بالحديث الصحيح عن ابن عمر وأم سلمة: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» (سنن أبي داود، رقم: 1564)سنن أبي داودأبو داودحديث رقم ١٥٦٤.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 335)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٥: جمع أهل الكتاب الفاسدون بين الجشع المادي بأكل الحرام والصد عن الحق، وشابههم من كنز المال وبخل بإنفاقه في سبيل الله وفروضه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
بِالْبَاطِلِ: الباطل ما لا ثبات له ولا حقيقة ولا عدل؛ وهو كل كسب محرم خبيث لا يقابله عوض شرعي صحيح.
يَكْنِزُونَ: الكنز الجمع والضم والإخفاء والادخار؛ وأصله في كلام العرب كنز التمر في الوعاء إذا ضغطه وجمعه فيه، ثم صار علماً على ادخار الذهب والفضة مع حبسها عن مجاريها المشروعة.
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ: النقدان الأساسيان وقوام المعاملات المالية في البشرية؛ وسمي الذهب ذهاباً لسرعة ذهابه وزواله، والفضة لانفضاضها وتفرقها.
وَلَا يُنفِقُونَهَا: عاد الضمير المفرد المؤنث (ها) إلى الفضة لأنها الأقرب، أو إلى الأموال والكنوز والذخائر المدلولة بالسياق، أو إلى مجموع الذهب والفضة كأنهما عين واحدة (الفئة النقدية).
وَلَا يُنفِقُونَهَا: معطوف، لا نافية وينفقونها مضارع مرفوع والواو فاعل والهاء مفعول به.
فِي سَبِيلِ اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بـ ينفقونها.
فَبَشِّرْهُم: الفاء رابطة لخبر المبتدأ لتضمن الموصول معنى الشرط، بشرهم فعل أمر مبني على السكون وفاعله مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ: جار ومجرور ونعت متعلق بـ بشرهم.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح الاقتصاد الفاسد بعد العقائد المنحرفة: بعد أن فضح القرآن فساد عقائدهم في ادعاء البنوة والشرك (الآيات 30-31)، كشف هنا عن الفساد الاقتصادي والمالي الذي يغذي ذلك الانحراف؛ فبيّن أن رجال الدين عندهم يتاجرون بالمقدسات ويأكلون أموال العوام بالباطل، وأن الرأسمالية الاحتكارية بكنز الأموال وحبسها عن النفع العام هي الوجه الآخر للصد عن سبيل الله.
الارتباط النظمي بين الإنفاق والجهاد: ذكر كنز الذهب والفضة وعدم إنفاقهما في سبيل الله في سياق الإعداد لغزوة تبوك؛ لحث أغنياء الصحابة على تجهيز جيش العسرة، والتحذير من البخل بالمال في لحظات الخطر الوجودي للأمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة "تحريم ادخار الأموال واقتناء الثروات في الإسلام" ومذهب أبي ذر رضي الله عنه:
يزعم بعض الاشتراكيين أن الآية تحرم الملكية الفردية وتمنع ادخار أي مال يزيد عن الحاجة اليومية، مستدلين بظاهر مذهب أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
الرد والمحاكمة الفقهية والاقتصادية الدقيقة:
مذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة (أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد) مجمع على أن: المال متى أُديت زكاته المفروضة وحقوقه الواجبة فليس بكنز محرم قط، ولو بلغ الملايين والمليارات؛ وقد كان لكبار الصحابة (كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله) ثروات طائلة ورثوها وماتوا عنها ولم ينكر عليهم أحد، بل امتدح النبي صلى الله عليه وسلم عثمان حين جهز جيش العسرة وقال: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ» (جامع الترمذي، رقم: 3701)مصدر غير محددحديث رقم ٣٧٠١.
مذهب أبي ذر رضي الله عنه كان مبنياً على ورع شديد وزهد خاص في أوقات الشدة وحاجة بيت المال، أو كان يرى وجوب إنفاق كل ما فضل عن الحاجة في الجهاد إذا نزلت بالمسلمين نازلة؛ وهو اجتهاد فردي مأجور عليه، لكن الفتوى المستقرة للأمة هي ما قرره ابن عمر وابن عباس وعثمان رضي الله عنهم.
التشريع القرآني يحرم "حبس السيولة وتجميد النقد واكتنازه عن دورة الاقتصاد والإنتاج والزكاة"؛ لأن اكتناز النقدين يسبب الركود الاقتصادي والفقر، فالإسلام يشجع الاستثمار والإنفاق والتداول ويكافح الاكتناز العقيم.
الإنصاف والتحري الدقيق في {إِنَّ كَثِيرًا}: لم يقل "إن الأحبار والرهبان"، بل قيد الحكم بـ {كَثِيرًا}؛ لأن من بينهم من يطلب الحق ويزهد في الدنيا بصدق، وهذا منتهى الإنصاف القرآني الذي يعلمنا عدم التعميم الجائر في الأحكام.
التعبير بالأكل {لَيَأْكُلُونَ}: استعمال الأكل في حيازة المال المحرم؛ لأنه أشنع وجوه الانتفاع وأشدها استهلاكاً للشيء بحيث لا يبقى له أثر.
التهكم البلاغي في {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: استخدام لفظ البشارة في مقام النذارة والعذاب الأليم لتقريعهم وهدم آمالهم الزائفة في ثرواتهم المكتنزة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير من تجارة الدين: أشنع الجرائم أن يتخذ المرء العلم والدعوة والفتاوى سلعة يبتغي بها عرض الدنيا وتملق الأغنياء والطغاة وأكل أموال الناس بالسحت.
وظيفة المال في الإسلام: المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه؛ والواجب جعله رافداً للخير والبناء والجهاد وتكافل المجتمع، وحبسه شؤم وعذاب على صاحبه.