أسباب النزول ومرويات الباب في حدث الهجرة وغار ثور: هذه الآية الكريمة من أقدس وأعظم نصوص القرآن في تقرير نصرة الله المستمرة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتوثيق أعظم فضيلة ومزية للصحابي الجليل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أخرج البخاري في صحيحه (رقم: 3653)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٥٣ ومسلم (رقم: 2381)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٨١ والترمذي (رقم: 3096)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٩٦ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق حدثه قال: «نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنا تَحْتَ قَدَمَيْهِ! فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟».
أقوال أئمة السلف والتفسير في فضل الصديق ومعاني النصرة:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 260)جامع البيانالطبري١٤/٢٦٠: يقول تعالى للمؤمنين: إن لم تنفروا مع نبيكم وتنصروه في تبوك، فإن الله لا يخذله، بل قد نصره وتكفل بحمايته في أضيق المواطن وأشدها كرباً حين تآمر عليه كفار قريش بمكة وأخرجوه طريداً ليس معه إلا صاحبه أبو بكر في الغار، وقد أحاط بهما المشركون من كل جانب؛ فنصره الله وحده دون جيوش ولا أنصار، وثبته بالسكينة وقهر أعداءه.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 152)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٥٢: هذه الآية أصل قطعي في فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ حيث خصه الله بشرف الصحبة في الغار ونزول السكينة والمعية الخاصة: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}؛ وأجمع العلماء قاطبة على أن من أنكر صحبة أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كفر؛ لأنه كذب صريح القرآن العظيم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 175)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٧٥: الغار هو غار في جبل ثور بأسفل مكة نحواً من فرسخ؛ مكثا فيه ثلاث ليال. وقوله {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} معية خاصة بالنصرة والتأييد والحفظ. والسكينة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل نزلت على أبي بكر لأن رسول الله كان ساكناً موقناً لا يزلزله الخوف، وإنما كان أبو بكر مشفقاً حزيناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحيح أنها نزلت على النبي وثبت بها أبو بكر ببركته ومصاحبته.
قال الشنقيطي (أضواء البيان، جـ 2، ص 340)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٤٠: قوله {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} قراءة الرفع تفيد أن كلمة الله لم تزل ولا تزال عالية أزلاً وأبداً، بذاتها وحقيقتها، ولم تجعل عالية بعد سفل؛ بخلاف كلمة الكفر التي جعلت سفلى مقهورة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
ثَانِيَ اثْنَيْنِ: حال مركبة تفيد الانفراد التام مع صاحبه؛ أي أحدهما، كقولك ثالث ثلاثة.
الْغَارِ: النقب والتجويف العظيم في الجبل؛ والمراد به غار ثور.
لِصَاحِبِهِ: الصحبة الملازمة والمرافقة بالبدن والروح والغاية؛ وهي هنا نص قطعي في صحبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم.
السُّفْلَىٰ: المؤنث من الأسفل، وهي المنحطة المقهورة المخذولة الزاهقة.
الْعُلْيَا: المؤنث من الأعلى، وهي الغالبة القاهرة المنصورة الثابتة أبداً.
الإعراب التفصيلي:
إِلَّا: إن حرف شرط جازم، لا نافية.
تَنصُرُوهُ: فعل مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
فَقَدْ: الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق.
نَصَرَهُ: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل جزم جواب الشرط (على تأويل: إن لم تنصروه فلن يضره ذلك فقد نصره الله في أشد من هذا، أو هو الجواب للدلالة على استمرار النصرة).
إِذْ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون متعلق بـ نصره.
أَخْرَجَهُ: فعل ماض، والهاء مفعول به.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ أخرجه.
كَفَرُوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
ثَانِيَ: حال من الضمير المنصوب في (أخرجه) منصوبة بالفتحة الظاهرة.
اثْنَيْنِ: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بالمثنى.
إِذْ: ظرف ثانٍ بدل من الأول.
هُمَا: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
فِي الْغَارِ: جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بالإضافة لـ إذ.
إِذْ: ظرف ثالث بدل أيضاً.
يَقُولُ: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على النبي.
لِصَاحِبِهِ: جار ومجرور متعلق بـ يقول، والهاء مضاف إليه.
أجمع القراء العشرة على رفع {وَكَلِمَةُ اللَّهِ} بالابتداء استئنافاً؛ لتقرير علوها الذاتي الدائم.
وقرأ الحسن ويعقوب في رواية شاذة بنصب {وَكَلِمَةَ اللَّهِ} بالعطف على المفعول الأول لـ جعل. والقراءة المتواترة بالرفع هي الأبلغ دلالة ونظماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استدعاء مشهد الغار لتثبيت اليقين: هذا النظم القرآني يفيض بالإعجاز النفسي والروحي؛ فبينما يواجه المسلمون حشود الروم المهولة وتثاقلت بعض النفوس في الآية (38-39)، أعادهم القرآن بلمح البصر إلى نقطة البداية الأولى: حين كان النبي صلى الله عليه وسلم وحده مطارداً ومعه رجل واحد في غار ضيق مظلم، والمشركون بسيوفهم على فم الغار، فصنع الله النصر من العدم بلا جيوش ولا عتاد؛ فمن نصره في الغار وهو "ثاني اثنين" سينصره حتماً في تبوك وهو في ثلاثين ألف مقاتل!
تكرار الظرف {إِذْ... إِذْ... إِذْ} ثلاث مرات: لتقريب المشهد وتجسيده أمام العيون لقطة لقطة؛ وكأن السامع يعيش لحظة الخروج، ثم لحظة الاختباء في الغار، ثم لحظة النطق بالكلمة الإيمانية الخالدة: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهات الرافضة والمشككين في فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
حاول بعض المغرضين تحريف دلالة الآية بزعم أن قول النبي {لَا تَحْزَنْ} يدل على نقص إيمان أبي بكر وجبنه، وبأن السكينة نزلت على النبي دونه.
الرد والمحاكمة التاريخية والنصية القاطعة:
حزن أبي بكر كان حزن إشفاق على رسول الله ودين الإسلام لا حزن خوف على نفسه: دلت الروايات الصحيحة في البخاري ومسلم على أن أبا بكر قال: "لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا؛ يا رسول الله، لو قُتلتُ أنا فإنما أنا رجل واحد، وإن قُتلتَ أنت هلكت هذه الأمة وضاع الدين!"؛ فهذا قمة الإخلاص والفداء بالنفس، والنهي عن الحزن هو للتثبيت والتطمين.
التنصيص الإلهي على الصحبة {لِصَاحِبِهِ}: نال أبو بكر الصديق وسام "الصحبة" بنص قرآني قطعي يتلى في المحاريب إلى قيام الساعة؛ وقد شهد الله له بالصحبة في أضيق وأخطر مواقف الإسلام.
المعية المشتركة الصريحة {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}: ضم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر معه في معية الله الخاصة بنون الجماعة {مَعَنَا}؛ بينما قال موسى عليه السلام لقومه لما فزعوا أمام البحر: {كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} فنفى المعية عن قومه لشكهم، وأثبتها النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ليقينه؛ وهذا أعظم برهان على كمال إيمان الصديق ورسوخه.
قضية نزول السكينة: إن عادت السكينة على النبي فلتشريفه، والتابع له مشمول ببركته؛ وإن عادت على أبي بكر فلتسكين روعه، وكلا الأمرين منقبة عظمى للصديق تثبت عدالته وفضله المطلق بعد الأنبياء.
التنكير في {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}: للدلالة على القلة المادية المطلقة التي تقابلها القوة الإلهية اللامحدودة؛ فما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!
الاستئناف بالرفع في {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}: لم يعطفها بالنصب على كلمة الكفار، لئلا يفهم أنها كانت سفلى ثم علت؛ بل رفعها بالابتداء وأكدها بضمير الفصل {هِيَ} واسم التفضيل {الْعُلْيَا}؛ لبيان أن كلمة الله عالية أزلاً وأبداً، لا يضرها مكر الماكرين.
التذييل بـ {عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: عزيز لا يُغلب جنده ولا ينقص من توكل عليه، حكيم في تدبير أسباب النصر ومواقيت الشدائد والفرج.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعية الإلهية سلاح المصلحين: متى استشعر الداعية والمجاهد معية الله الخاصة في قلبه، تبددت كل مخاوفه وصغرت في عينه أعتى الجيوش والأساطيل.
حب الصديق دين وإيمان: هذه الآية الكريمة حجة قاطعة تلزم كل مسلم بحب أبي بكر الصديق والاعتراف بسابقته وفضله العظيم، والترضي عنه والذود عن حياضه.