أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، والقليل من الصدقة، رقم 1415)مصدر غير محددحديث رقم ١٤١٥، ومسلم في صحيحه (كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة، رقم 1018)مصدر غير محددحديث رقم ١٠١٨ عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: "لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا (أي نؤجر أنفسنا بالحمالة)، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقال المنافقون: مراءٍ! وجاء رجل آخر فتصدق بصاع، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صاع هذا! فنزلت: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ}".
وفي رواية ابن إسحاق والطبري: أن الذي تصدق بالمال الكثير هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ حيث تصدق بأربعة آلاف درهم (شطر ماله)، وعاصم بن عدي بمئة وسق من تمر، والذي جاء بالصاع هو أبو عقيل الأنصاري (واسمه حُباح أو عبد الرحمن بن فيحان) جاء بصاع تمر وقال: "يا رسول الله، بتّ ليلتي أجرّ بالجرير (الحبل) على صاعين من تمر، فصاع حبسته لعيالي وصاع جئت به إلى ربي"، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فلمزه المنافقون وسخروا منه، فأنزل الله الآية نصرة لأوليائه وتخليداً لصدقهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "المُطَّوِّعِينَ" و"الجُهْد" لغة:
المُطَّوِّعِين: أصلها المُتَطَوِّعِين، فأُدغمت التاء في الطاء لمقاربة المخرج، وهو من التَّطَوُّعِ؛ أي المتبرعون بالصدقات النافلة تبرعاً زائداً عن الفريضة ابتغاء مرضاة الله.
الجُهْد (بضم الجيم وفتحها): الجُهْد بالضم: الطاقة والمشقة والوسع القليل الذي يملكه الإنسان بعد بذل وسعه، والجَهْد بالفتح: المشقة والمبالغة في الأمر. والمراد هنا: الذين لا يجدون ما يتصدقون به إلا الشيء اليسير الذي هو غاية طاقتهم وما فضل عن كفاف قوتهم.
أسلوب المشاكلة البديعية في {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}:
السخرية من الله تعالى مجاز ومشاكلة لفظية؛ فإن حقيقة السخرية الاستخفاف، والله منزه عن العبث؛ والمراد: جازاهم الله جزاء سخريتهم بأن أذلهم وأهانهم وفضحهم في الدنيا وأنزل بهم العذاب المهين في الآخرة.
الإعراب المفصل:
"الَّذِينَ": اسم موصول مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع (أو بدل/نعت من "المنافقين" في الآيات السابقة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم الذين).
"يَلْمِزُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"الْمُطَّوِّعِينَ": مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ": جار ومجرور حال من المطوعين.
"فِي الصَّدَقَاتِ": متعلق بـ "يلمزون" أو بـ "المطوعين".
"وَالَّذِينَ": عاطف واسم موصول معطوف على "المطوعين" في محل نصب مفعول به لـ "يلمزون".
"اللَّهُ": لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "الذين".
"مِنْهُمْ": متعلق بـ "سخر".
"وَلَهُمْ": الواو عاطفة، شبه جملة خبر مقدم.
"عَذَابٌ": مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة.
"أَلِيمٌ": نعت لـ "عذاب" مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح النوايا المريضة التي لا يرضيها شيء: تكشف الآية السيكولوجية النكدة للمنافقين؛ فإن تصدق الغني بمال وفير اتهموه بالرياء وحب الشهرة، وإن تصدق الفقير بما يملك استهزؤوا بقلة ماله واحتقروه؛ فهم قوم لا يبذلون خيراً ولا يسلم الناس من ألسنتهم السامة، مقصدهم الوحيد هو إحباط العمل الخيري وتثبيط الهمم.
التناسب مع إحاطة العلم الإلهي: بعد أن قال في الآية السابقة: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ}، كشف هنا نموذجاً علنياً من همزهم ولمزهم وسوء طويتهم ليعلم الجميع أن ميزان الله يقوم على النيات والإخلاص لا على مجرد حجم الأرقام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة احتقار الصدقة اليسيرة في ميزان الاقتصاد أو البناء: قد يقول مغرور: ما عسى أن يصنع صاع تمر في جيش العسرة المكون من ثلاثين ألف مقاتل؟ أليس سخريتهم منه أمراً واقعياً؟
الدفع والمحاكمة العقلية والإيمانية الراقية:
ميزان الله تبارك وتعالى لا يقيس الأعمال بحجمها المادي المجرد، بل بوزنها الإيماني والروحي وتضحية الباذل؛ فالفقير الذي يملك صاعين ويبذل أحدهما قد تصدق بنصف ثروته كلها عن جوع وحاجة، فهو عند الله أعظم درجة من غني تصدق بآلاف من فضول أمواله التي لا يضيره نقصها؛ وفي الحديث الصحيح: "سَبَقَ درهمٌ مئةَ ألف درهم!".
والبركة الإلهية متى ما نزلت في القليل ربته وأعانته، وجيش العسرة بارك الله فيه بفضل صدق أصحاب هذه الصدقات القليلة الخالصة، وسخرية المنافقين تدل على عمى قلوبهم عن إدراك البركة الربانية ومقامات الإخلاص.
الجملة الدعائية الخبرية {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}: التعبير بالفعل الماضي يفيد حتمية وقوع الاستصغار والإذلال الإلهي بهم، كأنه أمر واقع مفروغ منه.
التنكير في {عَذَابٌ أَلِيمٌ}: يدل على الشدة البالغة؛ فالاستهزاء بمؤمن مخلص بسبب دينه وصلاحه جريمة كبرى تجلب سخط الجبار سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حماية كرامة المتصدقين والفقراء: ترسيخ مبدأ قبول القليل وتشجيعه؛ فلا يستحي الفقير من بذل درهم أو كسرة خبز أو شق تمرة، ولا يلتفت إلى سخرية المترفين والمنافقين.
مقاومة الحملات التشويهية ضد العمل الخيري: يحرص أعداء الدين دائماً على الطعن في نيات الداعمين والمتبرعين واتهامهم إما بالرياء أو بغسيل الأموال أو بالعبث؛ فعلى الأمة أن تتفطن لهذه الألاعيب وتدعم مسيرة البذل والصدقة.