أسباب النزول ومرويات الباب وسوابق غدر المنافقين: نزلت الآية الكريمة تذكيراً بسجل المنافقين الأسود وتاريخهم التآمري المتكرر ضد النبي صلى الله عليه وسلم والدعوة الإسلامية في المدينة المنورة قبل غزوة تبوك. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة والسدي ومجاهد قالوا: يذكر الله نبيه بمؤامرات عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه منذ هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ فابتغوا الفتنة يوم أحد حين انخذل ابن سلول بثلث الجيش (ثلاثمائة مقاتل) ليزلزل الصف المسلم، وابتغوا الفتنة في غزوة بني المصطلق حين قالوا: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} وأثاروا عصبية الأوس والخزرج عند ماء المريسيع، وابتغوا الفتنة في حادثة الإفك الشنيعة، وتآمروا مع يهود بني قينقاع وبني النضير والأحزاب لتقليب الأمور وإسقاط دولة الإسلام؛ فرد الله كيدهم ونصر نبيه وأظهر دينه وهم كارهون.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 291)جامع البيانالطبري١٤/٢٩١: ولقد طلب هؤلاء المنافقون فتنة أصحابك وصدهم عن دينهم وتفريق كلمتهم من قبل غزوة تبوك هذه في مواطن كثيرة، وقلبوا لك الحيل والمكائد ودبروا لك المكر والضر لإبطال ما جئت به؛ فلم يغنِ مكرهم شيئاً حتى نصرك الله وأعز دينه وظهر أمره وهم كارهون مقهورون.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 161)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٦١: يسلّي تعالى نبيه ويعرفه بطبيعة هؤلاء المنافقين العميقة؛ مبيناً أن عداوتهم ومكرهم ليس أمراً جديداً في تبوك، بل هو دأبهم القديم منذ مبعثه، وقد كفاهم الله شرهم في كل موطن وأعلى دينه على كره منهم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 198)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٩٨: تقليب الأمور هو تدبير الحيل والوجوه لإبطال الحق وإيقاع الضر بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ مأخوذ من تقليب الشيء ظهراً لبطن للنظر في عواقبه ومداخله؛ وظهور أمر الله هو غلبة الإسلام وعز المسلمين واستقرار شرائعهم.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 339)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٩: سنة إلهية مطمئنة للقلوب؛ فمهما حاك أهل النفاق من مؤامرات ودسائس وقلبوا الأمور، فإن مكرهم يبور وسيعلو أمر الله رغماً عن أنوفهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
ابْتَغَوُا: الابتغاء شدة الطلب والتحري والحرص البالغ على نيل الشيء؛ مأخوذ من البغي.
وَقَلَّبُوا: التقليب التدوير والتحويل وإعمال الفكر والمكر في كل وجه من وجوه الكيد؛ يقال قلب الأمر ظهراً لبطن إذا دبره وبحث عن أسباب إفساده.
وَظَهَرَ: الظهور هنا الغلبة والعلو والانتصار؛ يقال ظهر عليه إذا قهره وعلا أمره.
كَارِهُونَ: الكراهة نقيض الرضا والمحبة؛ وهو تألم النفس ونفورها من الواقع المحتوم.
الإعراب التفصيلي:
لَقَدِ: اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
ابْتَغَوُا: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، وواو الجماعة فاعل.
الْفِتْنَةَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
مِن قَبْلُ: جار ومجرور متعلق بـ ابتغوا، وقبلُ اسم مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى.
وَقَلَّبُوا: فعل ماض والواو فاعل معطوف على ابتغوا.
لَكَ: جار ومجرور متعلق بـ قلبوا.
الْأُمُورَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
حَتَّىٰ: حرف غاية وجر.
جَاءَ: فعل ماض مبني على الفتح.
الْحَقُّ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَظَهَرَ: معطوف على جاء.
أَمْرُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
اللَّهِ: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، والمصدر المؤول من أن المضمرة بعد حتى والفعل في محل جر بـ حتى متعلق بـ قلبوا.
وَهُمْ: الواو للحال، هم ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
كَارِهُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وبنائها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل: في الآية (47) حذر من مكرهم المتوقع في الحاضر {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}، وفي هذه الآية (48) ذكّر بمكرهم الواقع في الماضي {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ}، ثم ختم بالمستقبل الحتمي لنصر الله {حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ}؛ ليعطي القيادة والمؤمنين رؤية تاريخية استراتيجية تام محيطة تطمئنهم بأن سنن النصر لا تتخلف أمام كيد المنافقين.
التقابل في التعبير بين المشقة والظهور: مهما اشتدت أزمات تقليب الأمور والمؤامرات فإن غايتها المحتومة هي مجيء الحق وظهور دين الله، مما يزرع اليقين والسكينة في قلوب الدعاة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الخوف من المؤامرات المعقدة والخطط الماكرة لأعداء الدين:
قد يصاب بعض العاملين للإسلام بالإحباط واليأس حين يرون حجم المؤامرات الدولية والتخطيط المالي والإعلامي الدقيق الذي يحاك ضد الإسلام وأهله.
الرد والمحاكمة الإيمانية والتاريخية:
القرآن يوثق أن النبي صلى الله عليه وسلم واجه ذات هذا "التقليب والتخطيط المركب" في المدينة المنورة: تحالف يهود وخزرج وأعراب وروم وقريش؛ ومع ذلك باءت كل خططهم بالخسران والهلاك.
مكر البشر مهما عظم فهو محكوم بسنن الله القاهرة: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}؛ فالأمر أمر الله، والملك ملكه، ولا يقع في كونه إلا ما يريده لحكمته.
العاقبة محسومة في القرآن: {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ}؛ فالمهم هو ثبات المؤمنين واستقامتهم على الحق.
الاستعارة في {وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ}: تصوير رائع لجهودهم الماكرة في فحص كل وجه وتدبير كل حيلة لاغتيال الدعوة أو تفريق الصف؛ كالصائغ الذي يقلب الجوهر أو المحتال الذي يقلب الحبل؛ لتبيين عظم جهدهم الخبيث الذي أحبطه الله.
القسم والتوكيد بـ {لَقَدِ}: لترسيخ الذاكرة التاريخية في نفوس الجيل المسلم حتى لا ينسوا دروس الصراع ومحطات الغدر السابقة.
الحالية في {وَهُمْ كَارِهُونَ}: إبراز قهر الباطل وإذلاله؛ فالإسلام يظهر وينتصر رغماً عن أنوف الكارهين ومكائدهم، ولا يملك أعداؤه إلا الحسرة والكمد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة التاريخ تصنع اليقين: الداعية الواعي يقرأ التاريخ بعين القرآن؛ فيدرك أن أساليب التشويه والمكر اليوم هي ذاتها أساليب الأمس، وأن نهايتها الحتمية هي الاندحار والظهور لدين الله.
علو الحق حتمية قدرية: مهما طال ليل المكر والفتن، فإن فجر الحق آتٍ لا محالة، والمؤمن يعمل بثقة ورسوخ لا تهزه رياح الشائعات ولا مؤامرات المفسدين.