أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت الآية الكريمة تذكيراً بنعم الله على المؤمنين في انتصاراتهم السابقة، وتعليماً لهم درساً تربوياً خالداً في غزوة حنين (شوال سنة 8 هجرية عقب فتح مكة). أخرج البخاري (رقم: 4315)مصدر غير محددحديث رقم ٤٣١٥ ومسلم (رقم: 1775)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٧٥ وابن إسحاق في السيرة عن العباس وأبي قتادة وأنس رضي الله عنهم أن المسلمين خرجوا إلى حنين في اثني عشر ألفاً (عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من طلقاء مكة)، ولم يجتمع للمسلمين هذا العدد من قبل، فقال قائلهم (وقيل قالها أبو بكر أو سلمة بن سلامة): «لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ!»؛ فلما التقوا بهوازن وثقيف في وادي حنين وكانت هوازن قد كمنت في شعاب الوادي ومضايقه، رشقوا المسلمين بالسهام بغتة فانهزمت خيل المسلمين، وتفرقت صفوفهم حتى ضاقت عليهم الأرض، ولم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قلة من المهاجرين والأنصار وآل بيته.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 198)جامع البيانالطبري١٤/١٩٨: يذكر تعالى نبيه والمؤمنين بنصره وإعزازه لهم في المشاهد والمغازي الكثيرة السابقة (بدر، أحد، الأحزاب، خيبر، فتح مكة) حين كانوا قلة أذلة، ثم يذكرهم بيوم حنين حين أوقعهم الإعجاب بالكثرة في الهزيمة النفسية والعسكرية، فلم تنفعهم الكثرة شيئاً حتى علموا أن النصر من عند الله وحده لا بعدد ولا عدة.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 130)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣٠: كانت غزوة حنين درساً ربانياً في نفي الغرور والاعتماد على الأسباب المادية؛ فبينما نصرهم الله في بدر وهم أذلة قلة (313 رجلاً)، تخلخلت صفوفهم في حنين وهم اثنا عشر ألفاً حين اتكلت بعض النفوس على الكثرة، ليتعلموا أن القوة بالله وحده.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 125)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٢٥: حنين وادٍ بين مكة والطائف؛ والمواطن جمع موطن وهو مشهد الحرب والموقع الذي يوطن الإنسان نفسه فيه على القتال؛ وفي الآية دليل على أن الإعجاب بالنفس والكثرة من أعظم أسباب الخذلان.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 334)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٤: عاتبهم الله على هذا الإعجاب الذي كاد يودي بهم، وأراهم عجز أنفسهم حين ضاقت عليهم الأرض المتسعة الرحيبة وانهزموا مدبرين، ليردهم إلى حقيقة التوكل والتضرع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
مَوَاطِنَ: جمع مَوْطِن، مَفْعَل من الوطن، والموطن الموقف والمشهد الذي يثبت فيه المقاتل؛ ويطلق على معارك النبي صلى الله عليه وسلم.
حُنَيْنٍ: اسم علم على وادٍ قريب من مكة بينها وبين الطائف؛ ويصرف لأنه اسم مذكر للوادي، وقد لا يصرف إن أريد به البقعة.
رَحُبَتْ: الرحب السعة والانفساح، وضده الضيق، يقال مكان رحب وفلان رحب الصدر.
مُّدْبِرِينَ: جمع مدبر، من أدبر إذا ولى ظهره هارباً فاراً من الميدان؛ ضد مقبل.
الإعراب التفصيلي:
لَقَدْ: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
نَصَرَكُمُ: نصر فعل ماض مبني على الفتح، والكاف مفعول به، والميم للجمع وحركت بالضم لالتقاء الساكنين.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
فِي مَوَاطِنَ: جار ومجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع.
كَثِيرَةٍ: نعت لـ مواطن مجرور بالكسرة الظاهرة.
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ: الواو عاطفة، يوم ظرف زمان منصوب معطوف على محل مواطن (أي نصركم في مواطن كثيرة وفي يوم حنين)، وحنين مضاف إليه مجرور ومصروف.
إِذْ: ظرف زمان لما مضى مبني على السكون في محل نصب بدل اشتمال من يوم حنين.
أَعْجَبَتْكُمْ: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به، والميم للجمع.
كَثْرَتُكُمْ: فاعل مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه، والجملة في محل جر بالإضافة لـ إذ.
فَلَمْ تُغْنِ: الفاء عاطفة، لم حرف جزم، تغن مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره هي يعود على الكثرة.
عَنكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ تغن.
شَيْئًا: مفعول به أو مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي لم تغن غناءً قليلاً ولا كثيراً).
وَضَاقَتْ: الواو عاطفة، ضاقت فعل ماض والتاء للتأنيث.
عَلَيْكُمُ: جار ومجرور متعلق بـ ضاقت.
الْأَرْضُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
بِمَا رَحُبَتْ: الباء للمصاحبة أو السببية، ما مصدرية، رحبت فعل ماض والفاعل مستتر، والمصدر المؤول (برحبها) في محل جر بالباء متعلق بمحذوف حال (أي ضاقت عليكم الأرض مصاحبة لرحبها وسعتها).
ثُمَّ: حرف عطف يفيد التراخي.
وَلَّيْتُم: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع.
مُّدْبِرِينَ: حال منصوبة بالياء لأنها جمع مذكر سالم.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على تنوين وصرف {حُنَيْنٍ}، وقرئ في الشواذ بتركه لمنع الصرف للعلمية والتأنيث للبقعة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوازن النفسي بين النفير العام ودروس المعارك: لما أمر الله المؤمنين بالجهاد والنفير وحذرهم من التثاقل في الآيات السابقة، ذكّرهم في هذه الآية بسنن النصر والهزيمة الواقعية؛ حتى لا يظنوا أن الانتصار يتحقق بمجرد الحشد العسكري والتفوق العددي، بل هو منوط بتجريد التوكل على الله واستنزال نصره.
المقابلة بين سعة الأرض وضيق الصدور: المشهد البلاغي العجيب في {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}؛ تصوير نفسي بديع لحالة الفزع والارتباك التي تصيب الجيش حين يفقد سكينته؛ فالأرض فسيحة ممتدة ولكنها في أعين الهاربين أضيق من سم الخياط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع الصحابة الكرام في الهزيمة والإعجاب بالكثرة:
يثير الطاعنون في عدالة الصحابة فرار بعضهم في حنين وعتاب القرآن لهم، ليزعموا قدحاً في مكانتهم.
الرد والمحاكمة التاريخية والسنية المحكمة:
القرآن كتاب هداية ومنهج تربية رباني يعالج الواقع البشري بصدق وشفافية مطلقة؛ فلم يزوق الوقائع بل سجل الهزيمة المؤقتة ليعالج علة الإعجاب بالنفس التي دخلت صفوف بعض الجند (خاصة الطلقاء ومسلمة الفتح الجدد الذين لم تترسخ التربية في قلوبهم بعد).
الثبات النبوي المعجز هو الذي قلب المعادلة؛ حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء يصدع في قلب المعركة منادياً: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» (صحيح البخاري، رقم: 4315)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٤٣١٥، وثبت معه خيرة المهاجرين والأنصار (أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس)، فلما نادى العباس بأمر النبي: «يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة»، انعطف المسلمون عطفة واحدة كأنهم حنان على أولادهم وتراجعوا وثبتوا حتى نصرهم الله.
العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية؛ وقد أثنى الله على ثباتهم ونزول السكينة عليهم وتوبته عليهم في الآيات اللاحقة مباشرة.
التوكيد بالقسم وتحقيق النصر: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ}؛ اللام الموطئة للقسم وقد التحقيقية لترسيخ اليقين بأن النصر السابق كان عطاءً إلهياً خالصاً.
الكناية الإعجازية في {ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}: كناية عن شدة الحيرة وعظم الخوف والارتباك؛ بحيث لم يجد الهارب موضعاً يطمئن إليه مع اتساع الأرض وانفساحها.
التنكير في {شَيْئًا}: يفيد النفي التام لأدنى منفعة للكثرة المادية المجردة إذا انقطعت المعونة الإلهية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
آفة الغرور بالأعداد والإمكانات: أخطر ما يبتلى به العاملون للإسلام هو أن يعتمدوا على كثرة أتباعهم أو وفرة أموالهم أو ضخامة مؤسساتهم وينسوا الافتقار إلى الله؛ فالنصر من عند الله وحده {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ}.
الانكسار بين يدي الله سبب النصر: الانكسار والافتقار والاعتراف بالضعف البشري هو الباب الأعظم لاستنزال السكينة والمدد الإلهي في أوقات الأزمات.