أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن إسحاق ومسلم في صحيحه (رقم: 1059)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٥٩ أن وفد هوازن جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة بعد حنين وقد أسلموا، وبايعوا على الإسلام، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم أموالهم وسبيهم؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ؛ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ»، فاختاروا نساءهم وأبناءهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين ورد عليهم سبيهم برضى المؤمنين، وأسلمت هوازن وثقيف وحسن إسلامهم؛ فكان ذلك مصداقاً لقوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ}.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 207)جامع البيانالطبري١٤/٢٠٧: ثم يرجع الله بتوفيقه وهدايته بعد تلك الهزيمة والعذاب والنكال على من يشاء من هؤلاء الكفار الذين قاتلوكم بحنين؛ فيهديهم للإسلام ويغفر لهم ما سلف من كفرهم وعداوتهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 132)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣٢: تاب الله على بقية هوازن فأسلموا وقدموا على رسول الله تائبين، فرد عليهم نساءهم وأولادهم وطيب قلوبهم، فصاروا من أخلص المسلمين؛ والله واسع المغفرة عظيم الرحمة.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 130)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٣٠: التوبة هنا تحتمل معنيين عظيمين:
توبة الله على المشركين بالهداية بعد الحرب والشرك.
توبة الله على من انهزم من المسلمين أول الأمر في حنين ليعلموا أن التقصير مغفور بتوبة الله ورحمته.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 334)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٤: في هذه الآية فتح لباب الأمل؛ فمهما بلغ جرم الكافر فإنه إن رجع إلى الله تاب الله عليه، والله غفور لذنوب التائبين رحيم بهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
ثُمَّ: حرف عطف يفيد التراخي والمهلة؛ لإبراز البعد بين شدة العذاب في المعركة وبين عطف التوبة والرحمة بعدها.
اتفقت القراءات العشر المتواترة على رفع {يَتُوبُ} بالضمة على الاستئناف أو العطف، ورفع الاسمين الكريمين في التذييل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الانتقال من قهر السيف إلى سعة المغفرة: هذا التتابع القرآني يبهر العقول: في الآية (26) صب العذاب والنكال بالقتال والملائكة {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ثم في الآية (27) مباشرة يعلن فتح باب التوبة لهؤلاء المعذبين أنفسهم: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ}؛ ليظل المسلم دائماً متوازناً بين الشدة على الكفر والحرص على هداية النفوس.
الارتباط بمشيئة الحكيم: علق التوبة بالمشيئة {عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} للدلالة على أن الهداية منحة إلهية تتبع علمه وحكمته بمن يستحقها ممن انطوى قلبه على بذرة خير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين التعذيب في الآية السابقة والتوبة في هذه الآية:
قد يسأل سائل: كيف يعذبهم الله ثم يتوب عليهم؟
الرد والمحاكمة المنطقية:
التعذيب في الآية السابقة وقع على من أصر على الكفر ومات في المعركة أو أُسر وذل وانهزم؛ فذاق عذاب السيف والخزي الدنيوي.
التوبة في هذه الآية نزلت على من بقي حياً منهم وراجع عقله بعد زوال سكرة الكبرياء؛ فهداه الله للإسلام وأسلم قلبه لمولاه.
هذا يبرهن على أن الحرب في الإسلام ليست لإفناء البشر، بل هي لكسر كبرياء الباطل حتى تنفتح القلوب للهداية وتتوب إلى ربها.
استعمال التراخي بـ {ثُمَّ}: للتنبيه على أن هذا التحول من أقصى درجات العداء والكفر إلى نور الإسلام والتوبة أمر عظيم مستبعد في مقاييس البشر، ولكنه هين ومتحقق بقدرة مقلب القلوب سبحانه.
الإشارة بـ {ذَٰلِكَ}: الإشارة إلى مشهد حنين بكليته (الهزيمة والتعذيب والخزي)؛ أي بعد كل هذا الصدام الدامي يفتح الله باب رحمته، فما أعظم سعة رحمة الله!
التذييل بـ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: غفور لما سلف منهم من الجرائم والشرك، رحيم بهم في إدخالهم جنات النعيم وإلحاقهم بعباده الصالحين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لا يأس من هداية أحد: الداعية الصادق لا ييأس من هداية أعتى الطغاة وألد الخصوم ما دام فيهم عرق ينبض؛ فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
عفو القوي عند التمكين: حين فتح الله لرسوله وللمؤمنين وجاء وفد هوازن تائبين، لم يعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بمنطق المنتقم المغرور، بل رد عليهم سبيهم وأحسن وفادتهم؛ وهذا هو الشرف النبوي الخالد.