أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن المنافقين كانوا إذا خلوا في مجالسهم الخاصة تسارّوا بالطعن في الدين واستهزؤوا بالمؤمنين وقالوا: لا يسمعنا أحد، فأنزل الله تبارك وتعالى هذا التقرير والتوبيخ القاصم: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/177): "يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه مطلع على ضمائرهم ونياتهم ونجواهم، وإن أظهروا خلاف ذلك وحلفوا عليه؛ فإن الله عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ويعلم ما توسوس به صدورهم وسيجازيهم على ذلك أتم الجزاء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الفرق الدقيق بين "السِّرّ" و"النَّجْوَى":
السِّرّ: هو ما كتمه الإنسان وأضمره في باطن نفسه وخلجات صدره ولم يتكلم به لأحد قط، أو أسره إلى شخص في غاية الخفاء.
النَّجْوَى: هي الحديث الخفي والمسارة بالصوت المنخفض بين اثنين فصاعداً في معزل عن الناس؛ مأخوذة من النَّجْوَة وهي المكان المرتفع المنعزل عن السيل؛ لأن المتناجين ينفردون بحديثهم عن أسماع الآخرين.
فجمع الله بينهما للدلالة على إحاطة علمه التامة بما في الصدور من النيات وما يجري بين الألسنة من الخفايا.
صيغة المبالغة في (عَلَّامُ الْغُيُوبِ):
"عَلَّام": صيغة مبالغة على وزن "فَعَّال" تدل على كمال العلم وكثرة متعلقاته وتغلغله في أدق الخفايا؛ والغيوب جمع غيب وهو ما غاب عن حواس المخلوقين وعقولهم؛ فعلم الله مستغرق لكل غيب ماضٍ وحاضر ومستقبل في السماوات والأرض.
"سِرَّهُمْ": مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع.
"وَنَجْوَاهُمْ": معطوف منصوب بالفتحة المقدرة للتعذر، وهم مضاف إليه.
"وَأَنَّ": الواو عاطفة، "أنّ" حرف توكيد ونصب.
"اللَّهَ": لفظ الجلالة اسمها منصوب بالفتحة.
"عَلَّامُ": خبر "أنّ" مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
"الْغُيُوبِ": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، والمصدر المؤول معطوف على المصدر المؤول الأول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط حجاب الخفاء وإبطال الثقة بالمؤامرات السرية: بعد أن فضح مكرهم وبخلهم وخيانة عهودهم، وجه إليهم هذا السؤال التبكيتي الذي يهدم كل تدبيرهم السري؛ فما قيمة التستر والهمس والأيمان الفاجرة إذا كان رب العزة والجلال يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟
التذييل بـ {وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}: الانتقال من علمه بسياقهم الخاص (سرهم ونجواهم) إلى علمه الكلي الجامع العام المستغرق لجميع الغيوب؛ لترسيخ صفة العلم الإلهي المطلق كأصل عقدي تهابه النفوس وترتعد منه فرائص المنافقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم عدم سماع الله لما يسرّه الإنسان: كان مشركو قريش ومنافقو المدينة يتوهمون أن الله يسمع الجهر ولا يسمع السر؛ كما أخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه في قصة النفر الثلاثة الذين قال أحدهم: "أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أسررنا!".
الدفع والمحاكمة العقلية واليقينية: العقل الفطري السليم يقضي بأن خالق الأكوان ومبدع الأنفس لا يمكن أن يغيب عنه شيء مما خلق؛ فمن ركّب السمع في الإنسان كيف لا يسمع؟ ومن خلق الأسرار والضمائر كيف لا يعلمها؟ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. فظن هؤلاء المنافقين جهل مطبق بمقام الربوبية وكمال الألوهية، والآية تدحض هذا الوهم وتبين أن السر والعلن والنجوى والجهر سواء في علمه المحيط سبحانه.
الاستفهام التوبيخي الإنكاري {أَلَمْ يَعْلَمُوا}: تسفيه لعقولهم ومداركهم؛ فإنهم يدّعون الدهاء والذكاء السياسي في مؤامراتهم، وهم في قمة الغباء والغفلة بتناسيهم رقابة علام الغيوب.
صيغة "فَعَّال" المضافة إلى الجمع المحلى بأل (عَلَّامُ الْغُيُوبِ): اجتماع صيغة المبالغة وإضافتها لجمع الاستغراق يفيد استيعاب كل غيب متصور وغير متصور، مما يملأ قلب المؤمن هيبة ومراقبة، ويلقي في قلوب المنافقين الرعب والهلع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مقام الإحسان والمراقبة الذاتية: الآية مدرسة لتربية الضمير المسلم على مراقبة الله في الخلوة والجلوة؛ فالمؤمن الصادق يستحضر دائماً أن الله معه يسمع كلامه ويرى مكانه ويعلم سره ونجواه، فلا يجرؤ على معصية ربه في السر.
تسلية الدعاة في مواجهة المؤامرات الخفية: يطمئن أولياء الله ودعاته إلى أن كل اجتماع سري يعقده خصوم الملة وكل مكر ينسج في الغرف المغلقة مدون مكشوف عند علام الغيوب، وسيبطله بحكمته وينصر دينه وأولياءه.