أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما: "لما أطلق النبي ﷺ أبا لبابة وأصحابه الذين ربطوا أنفسهم، جاؤوا بأموالهم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا! فقال رسول الله ﷺ: ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً! فأنزل الله تبارك وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}، فأخذ النبي ﷺ ثلث أموالهم وترك لهم الثلثين، ودعا لهم بالبركة والمغفرة".
عموم حكم الآية في الزكاة المفروضة وسائر الصدقات:
أجمع فقهاء الإسلام والمفسرون على أن الآية وإن نزلت في توبة هؤلاء، فإن حكمها عام ومحكم في وجوب أخذ الزكاة المفروضة من أصحاب الأموال، وأمر لولي الأمر بجبايتها والدعاء لأهلها بالبركة.
ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم".
وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان"، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الفرق الدقيق بين التطهير والتزكية:
التَّطْهِير: تخلية؛ وهو إزالة الأدران والدنس والذنوب، وتطهير النفس من داء الشح والبخل ودرن المعاصي.
التَّزْكِيَة: تحلية وتنمية؛ وهي زيادة الخير والبركة والأجر، ورفع الدرجات، وتنمية المال بالبركة الإلهية. فالصدقة تجمع بين تخلية النفس من رذائل البخل، وتحليتها بفضائل الكرم والتقوى.
دلالة "صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ":
الصلاة من النبي ﷺ: هي الدعاء والاستغفار والبركة والترحم.
السَّكَن: الطمأنينة، والسكينة، وراحة البال، والرحمة التي تسكن إليها القلوب وتهدأ بها النفوس بعد اضطراب الذنب والخوف.
القراءات المتواترة في {تُطَهِّرُهُمْ} و{صَلَاتَكَ}:
قرأ الجمهور: {تُطَهِّرُهُمْ} برفع التاء والهاء وضم الراء على الاستئناف أو النعت لـ "صدقة"؛ أي صدقة كائنة مطهرة لهم، أو أنت تطهرهم.
وقرأ بعض السلف بجزم الراء {تُطَهِّرْهُمْ} في جواب الأمر لـ "خُذْ".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعادة التأهيل الاجتماعي والروحي للتائبين: لم يكتفِ القرآن بإعلان توبتهم في الآية السابقة، بل وضع برنامجاً عملياً متكاملاً لتطهيرهم وإدماجهم في المجتمع الإيماني؛ فأمر بأخذ الصدقة من أموالهم لتزول آثار المعصية، وأمر النبي ﷺ بالدعاء لهم جهاراً لترتفع عنهم وحشة الذنب ونظرات العتاب من إخوانهم، وتنزل السكينة في صدورهم.
التوازن المالي والتشريعي: حرف "مِن" التبعيضية في {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} تشريع عادل يمنع استيعاب كل المال؛ فلا يُترك التائب فقيراً عالة يتكفف الناس، بل يؤخذ قسط يُطهر ماله ويبقى له ما يقيم به حياته ومعاشه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مانعي الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ: زعم مانعو الزكاة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن الأمر بدفع الزكاة كان خاصاً بالنبي ﷺ؛ لأن صلاته وحدها هي السكن، فلما توفي سقطت الزكاة واحتجوا بهذه الآية: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ... وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}!
الدفع والمحاكمة الفقهية العقلية الصديقية الخالدة:
تصدى الصديق أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم لهذه الشبهة بالحزم المحكم؛ وبيّنوا أن الخطاب للنبي ﷺ خطاب للأمة وخلفائها من بعده ما لم يرد دليل التخصيص؛ فالزكاة ركن من أركان الإسلام لا ينفصل عن الصلاة: "والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة!".
ودعاء الإمام وساعي الزكاة للمزكي سنة مستمرة مستحبة في كل زمان اقتداءً بالنبي ﷺ، فبطل زعم مانعي الزكاة وثبت وجوب دفعها للدولة الإسلامية ولخلفاء المسلمين.
التنكير في "صَدَقَةً" و"سَكَنٌ": يفيد التعظيم البالغ؛ صدقة عظيمة الأثر في تطهير النفوس، وسكن وطمأنينة وراحة قلبية لا يحيط بوصفها بيان.
العطف بين التطهير والتزكية: يدل على كمال التأثير النفسي والمالي للصدقة؛ فالمال الحرام والذنب مرض، والصدقة ترياق وشفاء يزيل المرض وينمي الصحة والبركة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأثر النفسي والتربوي للزكاة: الزكاة ليست جباية مادية جافة، بل هي علاج نفسي يحرر المنفق من عبودية الدينار والدرهم ويغرس فيه حب المساكين والتراحم الاجتماعي.
أدب الدعاء للمحسنين والمتصدقين: استحباب دعاء الإمام والداعية والفقير للمتصدق بالبركة والقبول والنماء؛ فإن ذلك يشيع المحبة ويؤلف القلوب.