أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل والحاكم في المستدرك عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أنه قال لرسول الله ﷺ ليلة العقبة: "اشترط لربك ولنفسك ما شئت! فقال رسول الله ﷺ: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: الجنة! قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل!"، فنزلت هذه الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}.
تفسير السلف لعظمة هذه المبايعة الربانية:
قال الحسن البصري وقتادة: "اسمعوا إلى هذه البيعة الرابحة الكريمة؛ والله لقد بايعهم فأغلى ثمنهم! أنفسٌ هو خلقها، وأموالٌ هو رزقها، ثم اشتراها منهم بالجنة!".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع هذه الآية: "بيعٌ والله ربيح، لا نقيل ولا نستقيل!".
وبيّن الإمام ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/187) أن الله تبارك وتعالى عاوض عباده المؤمنين المجاهدين في سبيله بأن جعل أرواحهم التي يبذلونها وأموالهم التي ينفقونها ثمناً لنيل جنات النعيم والخلود الأبدي ورضوان رب العالمين.
التوثيق في الكتب السماوية الثلاثة:
قوله: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} دليل قاطع على أن مشروعية الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق ووعد المجاهدين بالجنة حقيقة أزلية وثابتة في جميع الشرائع والكتب المنزلة، ولم تخلُ منها رسالة نبي قط.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الاستعارة التمثيلية البديعة في عقد البيع:
العقد هنا مبني على استعارة تمثيلية في غاية الجلال والإحكام؛ حيث شبّه التكليف بالجهاد وبذل الأنفس والأموال بعقد بيع وشراء تجاري مالي:
المشتري: هو الله جل جلاله (الغني الحميد).
البائع: هو العبد المؤمن.
السلعة والمبيع: النفس الفانية والمال الزائل.
الثمن والعوض: الجنة الخالدة والنعيم المقيم.
الوثيقة والعقد: التوراة والإنجيل والقرآن.
الضامن: أوفى الأوفياء وهو الله سبحانه.
القراءات المتواترة في {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر): {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} بفتح الياء الأولى وضم التاء (مبنياً للفاعل)، وضم الياء الثانية وفتح التاء (مبنياً للمفعول)؛ أي يبدؤون بنكاية العدو وقتله، ثم يُستشهدون بعد ذلك.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: {فَيُقْتَلُونَ وَيَقْتُلُونَ} بالعكس؛ بضم الياء الأولى مبنياً للمفعول، وفتح الياء الثانية مبنياً للفاعل؛ أي يقتل بعضهم فيستشهد، ثم يقاتل الباقون فيقتلون الأعداء، أو يقاتلون قتال المستميت الذي وُطن نفسه على الشهادة فكأنه قُتل أولاً ثم قَتل بعد ذلك. وتوافق القراءتين يبرز كمال الاستبسال في القتال.
الإعراب المفصل:
"إِنَّ": حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
"اللَّهَ": لفظ الجلالة اسمها منصوب بالفتحة الظاهرة.
"اشْتَرَىٰ": فعل ماض مبني على الفتح المقدر للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع خبر "إنّ".
"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ": متعلق بـ "اشترى".
"أَنفُسَهُمْ": مفعول به لـ "اشترى" منصوب بالفتحة، وهم مضاف إليه.
"وَأَمْوَالَهُم": معطوف منصوب بالفتحة، وهم مضاف إليه.
"بِأَنَّ": الباء حرف جر للثمنية والعوضية، "أنّ" حرف توكيد ونصب.
"لَهُمُ": شبه جملة خبر "أنّ" مقدم.
"الْجَنَّةَ": اسم "أنّ" مؤخر منصوب بالفتحة، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ "اشترى".
"يُقَاتِلُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة استئنافية بيانية لبيان كيفية البيع (أو حال).
"وَعْدًا": مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره (وعدهم الله وعداً).
"عَلَيْهِ": متعلق بـ "وعداً".
"حَقًّا": صفة لـ "وعداً" منصوب بالفتحة (أو مفعول مطلق ثانٍ).
"فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ": متعلق بمحذوف صفة لـ "وعداً".
"وَمَنْ": الواو استئنافية، "مَن" اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي في محل رفع مبتدأ.
"أَوْفَىٰ": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة.
"بِعَهْدِهِ": متعلق بـ "أوفى".
"مِنَ اللَّهِ": متعلق بـ "أوفى".
"فَاسْتَبْشِرُوا": الفاء فصيحة، فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
"بِبَيْعِكُمُ": متعلق بـ "استبشروا".
"الَّذِي": اسم موصول في محل جر نعت لـ "بيعكم".
"بَايَعْتُم بِهِ": ماض وفاعله ومتعلقه، والصلة لا محل لها.
"وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ": مبتدأ وضمير فصل وخبر ونعت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج سورة التوبة بأشرف مواثيق الإيمان: بعد أن استعرضت السورة تفاصيل النفير والتخلف وأمراض النفاق، جاءت هذه الآية لتضع التاج المرصع فوق رؤوس المؤمنين الصادقين؛ معلنة أن العلاقة بين الله وعباده المؤمنين ليست علاقة قهرية مجردة، بل هي علاقة تكريم ومبايعة اختيارية طوعية يربح فيها المؤمن السعادة الأبدية.
التدرج البلاغي في التوثيق: قرن الوعد بأنه حق، ثم وثقه في الكتب الثلاثة الجامعة لشرائع الأرض، ثم عقّب بالاستفهام التقريري: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ}؛ ليدخل في روع المؤمن أقصى درجات اليقين والسكينة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المادية وتصوير العلاقة مع الله كعقد تجاري: يزعم بعض الطاعنين أن تصوير الدين كصفقة بيع وشراء يبتذل المعاني الروحية ويحولها إلى تجارة دنيوية!
الدفع والمحاكمة العقلية والبلاغية الراقية:
لغة العرب والقرآن تستعمل الاستعارات الحسية لتقريب الحقائق الغيبية الكبرى إلى الأذهان؛ والإنسان بطبعه حريص على الربح والنجاح في تجارته.
وهذه التجارة سماها الله في سورة الصف {تِجَارَةً تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ وهي تجارة متعالية لا مثيل لها؛ لأن المشتري هو مالك الكون، والعوض هو الجنة، والمبيع زائل حقير، فكانت غاية التكريم والتحفيز للنفوس؛ إذ جعل الله ما يملكه العبد بفضل الله ثمناً لنيل رضوان الله وجنته، فأي تكريم للإنسان أعظم من أن يجعله الله طرفاً بائعاً ويكتب معه عقداً خالداً؟!
الأمر بالاستبشار {فَاسْتَبْشِرُوا}: الاستبشار هو ظهور الفرح والسرور على بشرة الوجه؛ والأمر به هنا يملأ قلب المجاهد بالفرح والعزة واليقين بالنصر أو الشهادة.
قصر الفوز العظيم بـ {وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: الإشارة للبعيد مع ضمير الفصل وأل التعريف يفيد أنه لا فوز في الكون يستحق هذا الاسم إلا هذه الصفقة الرابحة مع الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استرخاص الحياة الدنيا في سبيل الله: حين يعلم المسلم أن روحه وماله قد اشتراها الله بالجنة، تهون في عينه كل التضحيات، ويقبل على البذل والجهاد والدعوة بشجاعة منقطعة النظير.
الوفاء بالعقد ولوازمه: العقد شريعة المتعاقدين؛ فما دمت أيها المسلم قد بايعت الله على الجنة، فإياك أن ترجع في بيعتك أو تبخل بنفسك ومالك عند استحقاق النفير والبذل ونصرة قضايا أمتك.