أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان وابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}:
قيل: الفتنة هنا هي الأمراض والأسقام والأوجاع؛ يبتليهم الله بها ليتذكروا ضعفهم وعجزهم ويتوبوا إليه، فلا يتوبون ولا يتعظون.
وقيل: هي الجهاد والنفير مع رسول الله ﷺ؛ يُبتلون كل عام بغزوة أو سريتين يظهر فيها نفاقهم ويتخلفون عنها ويفضحهم الوحي، ثم لا يتوبون.
وقيل: هي القحط والجدب ونقص الثمار وغلاء الأسعار.
ورجح ابن كثير والطبري العموم؛ وأن الله تبارك وتعالى يبتليهم بأنواع المكاره والمصائب والنوازل في كل عام مرة أو مرتين لعلهم يرجعون إلى رشدهم، ولكن بلادة قلوبهم تحول بينهم وبين الاعتبار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القراءات المتواترة في {أَوَلَا يَرَوْنَ} و{تَرَوْنَ}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، أبو عمرو، ابن كثير، ابن عامر): {أَوَلَا يَرَوْنَ} بياء الغيبة؛ عائداً على المنافقين؛ أي: أولا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يبتليهم.
وقرأ حمزة ويعقوب وخلف العاشر: {أَوَلَا تَرَوْنَ} بتاء الخطاب؛ عائداً على المؤمنين؛ أي: أولا ترون أيها المؤمنون حال هؤلاء المنافقين وما ينزل بهم من الفتن والنوازل ثم هم مصرون على غيهم لا يتعظون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعجيب من غلظة الحس وموت الضمير: يستنكر القرآن العظيم هذا التبلد الحسي والروحي المطبق لدى المنافقين؛ فمن سنن الله الكونية أن المصائب والنوازل تلين القلوب القاسية وتدفع الغافل إلى التضرع والإنابة، ولكن هؤلاء المنافقين بلغوا من قسوة القلب والعمى غاية لا تؤثر فيها الصواعق ولا تعظها الفتن.
حرف التراخي والتعجيب بـ "ثُمَّ": {ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ}؛ تفيد استبعاد واستنكار هذا الموقف المشؤوم؛ فبعد كل تلك الإشارات والإنذارات الربانية المتكررة لا يتوبون ولا هم يتذكرون!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الفتنة إلى الله وتناقضها مع الرحمة: كيف يفتنهم الله ويسوق إليهم المصائب، أليس الله رحيماً؟
الدفع والمحاكمة السننية العقلية الراقية:
الفتنة هنا هي "الابتلاء والاختبار والتمحيص" بالمصائب والأمراض والنوازل، وهي في حقيقتها رحمة مقنعة ولطف إلهي لإيقاظ العباد قبل فوات الأوان ونزول العذاب الأبدي؛ كما قال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
فالمصائب رسائل إنذار وتنبيه تدعو الغافل إلى مراجعة حسابه، وإنما الشقاء والظلم جاء من قِبَل العبد الذي يصر على غيه ويغمض عينيه عن رسائل السماء حتى يأتيه الموت بغتة.
{لَا يَتُوبُونَ}: نفي للعمل الإيجابي والإقلاع عن الذنب بالجوارح.
{وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}: نفي للاعتبار القلبي والتفكر والوعي في الباطن؛ مما يدل على شلل تام أصاب عقولهم وقلوبهم وجوارحهم معاً.
الجملة الاسمية في {وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}: إفادة الثبوت والدوام؛ أي صار عدم التذكر صفة راسخة متأصلة فيهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة رسائل الأقدار والمصائب بالبصيرة الإيمانية: المؤمن يقظ لتقلبات الدهر؛ إذا أصابه مرض أو نقص في مال أو أزمة مجتمعية بادر إلى التوبة والاستغفار، مستحضراً أن ما نزل بلاء إلا بذنب وما رُفع إلا بتوبة.
الحذر من تبلد الحس وموت القلوب: أشنع ما يصاب به الإنسان أن تتوالى عليه النوازل والعبر وهو سادر في غيه ولهوه لا يتحرك قلبه ولا تلين عريكته؛ فذلك علامة الشقاء والطرد من رحمة الله.