أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت هذه الآية الكريمة لتختم سورة الأنفال بإحكام تشريعي عظيم يجمع بين مرحلتين من مراحل بناء الأمة:
مرحلة الهجرة اللاحقة بعد صلح الحديبية حتى فتح مكة، وإلحاق أصحابها بالرعيل الأول في الفضل والولاية.
نسخ التوارث بالحلف والمؤاخاة والهجرة الذي كان معمولاً به في أول الإسلام، ورد التوارث إلى أولي الأرحام والقرابات النسبية.
أخرج البخاري في صحيحه (رقم: 4580)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٨٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} نسخت ذلك، وصار الميراث لذوي الأرحام والقرابات.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 104)جامع البيانالطبري١٤/١٠٤: قوله {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ} يعني من بعد الهجرة الأولى وصلح الحديبية، {فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ} أي هم منكم أيها المهاجرون والأنصار في الموالاة والنصرة والحكم؛ ثم بيّن تعالى أن القرابة النسبية هي الأصل في استحقاق التركات والميراث بقوله {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}، فنسخ التوارث بالمؤاخاة وثبت التوارث بالقرابة.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 101)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٠١: لما جعل لمن تقدم من المهاجرين والأنصار تلك المنزلة الرفيعة، عطف بالمتأخرين من المؤمنين المهاجرين المجاهدين فجعلهم لاحقين بالسابقين، ثم رد المواريث إلى ذوي القرابات في كتاب الله المسطور وقضائه المحتوم.
بين القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 62)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٦٢: استدل فقهاء الكوفة (الحنفية والحنابلة) بهذه الآية الكريمة على توريث ذوي الأرحام (غير أصحاب الفروض والعصبات كالعمة والخال وبنت البنت) عند عدم العصبة، استناداً إلى عموم قوله {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}، وخالفهم الشافعية والمالكية القائلون برد التركة إلى بيت مال المسلمين إن لم يكن هناك عصبة أو صاحب فرض يُرد عليه.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 327)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٧: ختم السورة ببيان استقرار الأحكام الشرعية؛ فألحق المتأخرين من التابعين بإحسان بالسابقين، ورد المواريث إلى أصحاب القرابات تقريراً لسنن الفطرة والعدل الإلهي المحكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
مِن بَعْدُ: أي من بعد الهجرة الأولى وبدر، وقيل من بعد الحديبية، وهو يدل على تفاوت المراتب والسبق الزمني، ومع ذلك ألحقهم الله بالسابقين تفضلاً.
فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ: من للتبعيض والاتصال، أي جزء من جماعتكم تشملهم أخوتكم وحمايتكم ونصرتكم.
أُولُو الْأَرْحَامِ: أولو اسم جمع بمعنى أصحاب ولا واحد له من لفظه. والأرحام جمع رَحِم، وهو موضع تكوين الجنين في بطن أمه، ويطلق على القرابة النسبية لما بينهم من اشتباك في الرحم الواحدة.
أَوْلَىٰ: اسم تفضيل من الولاية والقرب، أي أحق وأجدر بالنصرة والميراث ووجوه البر والصلة.
فِي كِتَابِ اللَّهِ: يحتمل اللوح المحفوظ، أو القرآن المسطور وما شرعه الله فيه من آيات الفرائض والمواريث.
الإعراب التفصيلي:
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ: الواو عاطفة، الذين مبتدأ، آمنوا صلة الموصول، ومن بعدُ جار ومجرور متعلق بـ آمنوا، وبُعد مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى.
وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ: معطوفات على آمنوا، ومعكم ظرف مكان متعلق بـ جاهدوا، والكاف مضاف إليه.
فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ: الفاء رابطة لتضمن المبتدأ معنى الشرط، أولئك اسم إشارة مبتدأ ثانٍ، ومنكم جار ومجرور خبر المبتدأ الثاني، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول (الذين).
وَأُولُو الْأَرْحَامِ: الواو استئنافية تشريعية، أولو مبتدأ مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والأرحام مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ: بعض مبتدأ ثانٍ، أولى خبره مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، وببعض جار ومجرور متعلق بـ أولى، والجملة الاسمية خبر المبتدأ الأول (أولو الأرحام).
فِي كِتَابِ اللَّهِ: جار ومجرور متعلق بـ أولى، والله مضاف إليه.
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: إن واسمها، وبكل جار ومجرور متعلق بعليم، شيء مضاف إليه، عليم خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على رفع {وَأُولُو الْأَرْحَامِ} وبناء {مِن بَعْدُ} على الضم، واتساق الإعراب في عموم ألفاظ الآية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع وحسن الختام: ختمت سورة الأنفال بهذه الآية لتصنع ختاماً تشريعياً محكماً يربط أطراف السورة بمطلعها:
بدأت السورة بالأنفال وتوزيع الأموال والغنائم وتجريد النفوس من الطمع، وختمت بالمواريث وحفظ الحقوق المالية الأسرية والقرابات النسبية.
بدأت السورة بالتقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله، وختمت بتقرير وحدة المجتمع الإيماني وتلاحم أولي الأرحام واستقرار الشرائع إلى يوم القيامة.
التدرج التشريعي من الاستثنائي إلى الأصيل: بدأت الدولة الإسلامية بأحكام استثنائية فرضتها الهجرة والغربة والمؤاخاة والتوارث بالدين، فلما استقرت الدولة وفتحت مكة وتوطدت أركان الإسلام، رد الله الأحكام إلى أصلها الفطري المستقر بجعل الميراث في ذوي الأرحام والقرابات، مع بقاء الأخوة العامة والنصرة الدينية للمؤمنين كافة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسوية اللاحقين بالسابقين في قوله {فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ}:
قد يتوهم واهم أن قوله {فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ} يسوي بين من هاجر وجاهد متأخراً وبين الرعيل الأول من بدريين وسابقين في كل الفضائل والمراتب.
الرد والتحقيق العلمي المحكم:
قوله {فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ} وارد في "أصل الولاية العامة والنصرة والأخوة الإسلامية وحرمة الدم والمال"، وليس مساواة في درجات الفضل والمراتب الأخروية؛ فإن القرآن نصوصه يصدق بعضها بعضاً، وقد نص الله صراحة في سورة الحديد: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ}.
التعبير بـ {فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْ} فيه استيعاب نفسي رائع للمتأخرين لئلا يشعروا بعقدة النقص أو التهميش، بل فتح الله لهم باب اللحاق بالسابقين بالعمل الصالح والمشاركة في الجهاد والبناء.
التذييل بـ {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: ختم السورة باسم العليم المحيط بكل شيء؛ إشعاراً بأن تشريعات الأنفال والغنائم والقتال والأسرى والعهود والمواريث لم تكن إلا عن علم تام بمصالح العباد، وتدبير حكيم يناسب أحوالهم المتغيرة في الحرب والسلم والنشأة والاستقرار.
إسناد الأولوية إلى كتاب الله: {فِي كِتَابِ اللَّهِ}؛ تأكيد على أن أحكام المواريث وصلة الأرحام ليست خاضعة لأهواء البشر ولا لأعراف القبائل، بل هي قضاء مبرم في اللوح المحفوظ وحكم منزل في القرآن لا تبديل له.
التعبير بـ {مَعَكُمْ}: قوله {وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ}؛ إبراز لقيمة المعية والوحدة في الميدان، وأن الجهاد المشترك يذيب الفوارق القبلية والزمنية ويصهر الأمة في بوتقة واحدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استيعاب كل الأجيال في ركب الدعوة: الأمة المسلمة تفتح ذراعيها لكل من يلحق بركبها ولو تأخر زمانه؛ فالمهم هو الإخلاص والعمل والجهاد مع الجماعة المسلمة.
صلة الأرحام ركن الاستقرار الاجتماعي: الإسلام لا يلغي الفطرة ولا يدمر الأسرة، بل يجعل صلة الأرحام وحفظ حقوق القرابة أساساً من أسس النظام الاجتماعي المستقر، ليتكامل التضامن الأسري مع التضامن العام للأمة.