يختم الله جل جلاله سورة النحل بأعظم بشارة وأرفع وعد لأوليائه وعباده الصالحين؛ بإثبات معيته الخاصة التي تقتضي الحفظ، والرعاية، والنصرة، والتأييد، والتوفيق لأهل التقوى وأهل الإحسان.
تفسير الطبري (14/ 377)مصدر غير محدد١٤/٣٧٧: يقول أبو جعفر الطبري: إن الله جل ثناؤه مع الذين اتقوا عقابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه وكفوا أنفسهم عما حرم عليهم، والذين هم محسنون في أعمالهم وطاعاتهم، وصابرون على ما نالهم في ذات الله من الأذى، إنه معهم بنصره وتأييده وظفره وإعزاز دينه، يحرسهم ويكلؤهم في الدنيا والآخرة.
تفسير ابن كثير (4/ 616)مصدر غير محدد٤/٦١٦: يوضح الحافظ ابن كثير أن المعية هنا هي معية خاصة لا يدرك كنه فضلها؛ كما قال تعالى لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، فبين سبحانه أنه مع من اتقى المحرمات وأحسن في أداء الطاعات ومخالطة الناس، يحفظهم ويسددهم ويكبت عدوهم.
القرطبي (10/ 209)مصدر غير محدد١٠/٢٠٩: يذكر القرطبي أن هذه الآية جمعت شتات الفضل والدين كله؛ لأن التقوى ترك المناهي والشبهات، والإحسان فعل المأمورات والنوافل وبذل المعروف للخلق؛ فمن اتصف بهما حاز معية الله التي لا تغلب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعية: المعية الإلهية هنا معية خاصة تقتضي النصرة والتأييد والحفظ والتسديد، بخلاف المعية العامة المحيطة بكل الخلق بالعلم والإحاطة والقدرة كقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}.
التقوى: اتخاذ وقاية تحمي العبد من سخط الله وعذابه بامتثال أوامره واجتناب زواجره.
الإحسان: بلوغ الغاية في إتقان العمل وإخلاصه لله، وبذل النفع والإحسان إلى عباد الله، وأعلى مراتبه: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم {إِنَّ} منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{مَعَ}: ظرف مكان يفيد المصاحبة والتأييد مبني على الفتح في محل نصب متعلق بمحذوف خبر {إِنَّ}.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل جر بالإضافة.
{اتَّقَوا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَّالَّذِينَ}: الواو عاطفة، {الَّذِينَ} اسم موصول معطوف في محل جر.
{هُم}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مُّحْسِنُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية صلة الموصول الثاني لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج السورة بأعظم وعد وخاتمة: ختمت سورة النعم (سورة النحل) بهذه الآية المشرقة الجامعة؛ لتربط كل ما فصلته السورة من هدايات وشرائع ونعم بأعظم غاية؛ وهي الظفر برعاية الله وتأييده؛ فمن بدأ السورة بالاستجابة لأمر الله والتوحيد وانتهى بالتقوى والإحسان نال معية الله الحافظة.
المقابلة البديعة بين الجملة الفعلية والاسمية:
قال في الأولى: {اتَّقَوا} بصيغة الفعل الماضي؛ للدلالة على تحقق التقوى وثبوتها كقاعدة انطلقوا منها وتركوا بها المعاصي والكبائر.
وقال في الثانية: {هُم مُّحْسِنُونَ} بالجملة الاسمية المؤكدة بالضمير واسم الفاعل؛ للدلالة على الدوام والاستمرار والرسوخ في مقام الإحسان، وأن الإحسان صار لهم صفة ثابتة وهجيراً لا ينفك عنهم.
الارتباط بآيات المكر والضيق السابقة: لما نهاه عن الضيق بمكر الماكرين، طمأنه هنا بالسر الذي يبدد كل مكر؛ وهو أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ ومن كان الله معه فمن عليه؟! وإذا كان الله ناصرك فلا يضرك كيد الأرض جميعاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إيهام الحلول والاتحاد في لفظ "المعية":
قد يتمسك أهل الحلول والاتحاد الباطل بظاهر لفظ "مع" ليزعموا أن الله يحل في ذات أوليائه أو يمتزج بهم!
البرهان والرد السني الحاسم: هذا انحراف عقلي وظاهري فاسد؛ فالمعية في كلام العرب تأتي لمعانٍ شتى بحسب السياق؛ يقال: فلان مع فلان، أي ناصره ومؤيده، ويقال: القمر معنا ونحن نسير، والقمر في السماء! فالله تبارك وتعالى مستوٍ على عرشه بائن من خلقه بذاته العلية، ومعيته لأهل التقوى والإحسان معية نصر وتأييد وعلم وحفظ وتسديد وكلاءة، لا معية امتزاج ولا حلول؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وهذا إجماع سلف الأمة وأئمتها قاطبة.
التوكيد بـ {إِنَّ}: لتثبيت قلوب الصابرين وإزالة أي شك في أن معية الله تلازم المتقين المحسنين مهما تطاولت المحن.
تقديم التقوى على الإحسان: لأن التقوى تخلية عن الذنوب والشرك والخبائث، والإحسان تحلية بالطاعات وبذل المعروف؛ والتخلية مقدمة على التحلية رتبة ووجوداً.
الإشارة والتدبر: أعلى درجات الأمان في هذا الكون هي أن تكون في كنف الله ومعيته؛ فإذا أردت أن ينصرك الله على أعدائك وعلى وساوس نفسك، فاحرص على أن تكون من المتقين في سريرتك، المحسنين في علانيتك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الداعية يوقن بأن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة وحدها، بل بمعية الله وتأييده التي تستجلب بالتقوى والإحسان؛ فإذا قصر الدعاة في التقوى أو أساءوا إلى الناس سُلبت عنهم المعية ووكلوا إلى أنفسهم.
التوجيه التربوي: غرس مراقبة الله واستشعار قربه في كل حركة وسكنة؛ والارتقاء بالنفس من مرتبة الإسلام إلى الإيمان ثم إلى ذروة الإحسان؛ لتكون عبادة العبد وسلوكه مع الخلق على أتم وجه.
الأثر الوجداني: يمتلئ قلب المؤمن بالسكينة المطلقة والشجاعة الفائقة والأنس التام بربه؛ مردداً بيقين: «إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»، ويلهج بحمد الله على ختم هذه السورة العظيمة بأجل وعد وأبهى كرامة.