تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يذكر عباده بأعظم دلائل الإلهام والتسخير الرباني في سائر المخلوقات الضعيفة؛ والمعنى: وألهم ربك يا محمد وقذف في غريزة وفطرة النحل إلهاماً فصلاً وأمراً تكوينياً لا يتخلف: أن اجعلي لك بيوتاً تسكنينها في كهوف الجبال ومغايرها، وفي تجاويف الأشجار، وفيما يبنيه بنو آدم ويعرشون من الخلايا والكروم والأبنية المسقفة؛ فصارت هذه الحشرة الصغيرة مهندساً معمارياً بديعاً يبني البيوت السداسية المنتظمة التي تحير ألباب العقلاء.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الوحي هنا هو وحي الإلهام والغريزة والتسخير والهدى، كقوله تعالى: {الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}؛ فهدى النحل وسخرها لهذا الصنيع العجيب، فرتب بيوتها ترتيباً هندسياً محكماً على أشكال سداسية لا خلل فيها ولا فرجة، ملائمة لسكنها وتخزين عسلها، وأرشدها إلى اختيار الجبال والأشجار وعرائش الناس بيئة آمنة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أنواع الوحي في القرآن؛ فوحي النبوة للأنبياء، ووحي الإلهام للنحل ولأم موسى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ}، ووحي التقدير للأفلاك: {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}. ويبين القرطبي أن بناء النحل لبيوتها السداسية هو من أعظم الأشكال الهندسية التي تستوعب أكبر قدر من العسل بأقل كمية من الشمع وبدون أي هدر فراغي بين الخلايا، مما يدل على حكمة الخالق الملهم.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن تسخير هذه الحشرة الضعيفة لخدمة البشر وإلهامها سلوك هذه الطرق المعقدة وبناء هذه البيوت المحكمة في شواهق الجبال وعروش الشجر هو برهان ساطع على ربوبية الله ولطفه بخلقه؛ فمن علم النحل هذا التدبير المحكم إلا رب العالمين؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
وَأَوْحَىٰ: الوحي هنا الإلهام الفطري والغريزي المودع في طبائع الكائنات.
النَّحْلِ: اسم جنس جمعي يؤنث ويذكر، واحده نحلة، وهي الحشرة المعروفة المنتجة للشمع والعسل.
يَعْرِشُونَ: من عرش يعرش عرشاً، إذا بنى العريش وهو السقف وما يُرفع من الخشب والنبات ككروم العنب وخلايا النحل.
التوجيه الإعرابي:
وَأَوْحَىٰ: الواو عاطفة، «أَوْحَىٰ» فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
رَبُّكَ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
إِلَى النَّحْلِ: جار ومجرور متعلق بـ«أَوْحَىٰ».
أَنِ اتَّخِذِي: «أَنْ» تفسيرية لأن الوحي فيه معنى القول دون حروفه، أو مصدرية بتقدير حرف الجر (بأن اتخذي). «اتَّخِذِي» فعل أمر مبني على حذف النون، والياء ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل (وهي ياء المؤنثة المخاطبة).
مِنَ الْجِبَالِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ«اتَّخِذِي» (أو حال مقدمة من بيوتاً)، و«مِنْ» هنا للتبعيض (أي بعض الجبال).
بُيُوتًا: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَمِنَ الشَّجَرِ: معطوف على الجبال.
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ: معطوف أيضاً، «مَا» اسم موصول مجرور محلاً، وجملة «يَعْرِشُونَ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره (يعرشونه)، والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: ذروة آيات النعم والتدليل في سورة النحل؛ حيث خُصت هذه السورة باسم «النحل» تكريماً لهذا المخلوق العجيب وتخليداً لسر الوحي والإلهام المودع فيه؛ فانتقل من عوالم المطر والأنعام والثمار إلى عالم الحشرات الدقيقة التي تفوق في نظامها الاجتماعي والمعماري كثيراً من بني البشر.
التناسب الدقيق في إضافة الرب للرسول {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ}: لم يقل «وأوحى الله» بل قال «ربك»؛ تكريماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وتذكيراً له بأن ربه الذي يرعاه ويؤيده هو ذاته الرب العظيم الذي ألهم النحل وسخرها ودبرها، فكما لم يضيع تلك الحشرة فلن يضيع نبيه ودعوته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هذه معجزة علمية ولغوية مذهلة تكشف إعجاز القرآن القطعي؛ فعلم الحشرات الحديث أثبت أن مجتمع النحل تقوده «ملكة»، وأن التي تقوم بالبناء، وجمع الرحيق، ورعاية الخلية، وصناعة العسل، وهندسة البيوت هي «إناث النحل» وتسمى (العاملات أو الشغالات)، بينما الذكور ليس لهم أي دور في بناء البيوت ولا جني الثمار؛ فجاء الخطاب القرآني بالصيغة المؤنثة الدقيقة {اتَّخِذِي} مطابقاً للواقع العلمي الذي لم يُكتشف إلا بالمجاهر والبحوث التشريحية في العصر الحديث! فلو قال القرآن «اتخذ» أو «اتخذوا» لكان مخالفاً للحقيقة العلمية لخلية النحل.
إطلاق لفظ {الْوَحْيِ} على إلهام النحل لبيان قداسة وسرية هذا التوجيه الرباني الخفي المودع في غريزتها.
استخدام حرف الجر التبعيضي {مِنَ} في {مِنَ الْجِبَالِ... وَمِنَ الشَّجَرِ... وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}؛ دلالة على دقة اختيار النحل لمواضع بيوتها، فهي لا تتخذ كل جبل ولا كل شجرة، بل تختار الزوايا المحمية المناسبة للخلية.
التعبير بلفظ {بُيُوتًا} دون خلايا أو حفر؛ لبيان إحكام عمارتها وأناقتها ونظامها كأنها بيوت مسكونة ذات غرف وممرات.
الإشارة والتدبر الإيماني: النحلة نموذج للمؤمن في دقة العمل والانضباط وحسن البناء؛ المؤمن كالنحلة أينما حل نفع، يبني ولا يهدم، وينتقي أطيب المواضع وأطهرها لحياته وأسرته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: استلهام روح النظام والتعاون والتفاني في العمل من عالم النحل؛ فالخلية تعمل كجسد واحد بتناغم مذهل وإخلاص تام يندر وجوده في المجتمعات البشرية.
التطبيق العملي: تعميق دراسة العلوم الطبيعية والبيولوجية بعين الإيمان والتسبيح، واستثمار منتجات النحل في التنمية والاقتصاد وصحة المجتمع.
الوجدان الإيماني: عظمة الانبهار بالصانع الحكيم؛ فإذا كانت حشرة صغيرة تلهم بهذا العلم والمهارة الهندسية، فما أعظم قدرة الذي خلقها وبرأها وسواها!