تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه ينبه المشركين المعاندين إلى عظيم قدرته ودلائل ربوبيته في آفاق الكون؛ والمعنى: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بأبصارهم وبصائرهم إلى ما خلق الله من الأجسام والأشجار والجبال القائمة التي لها ظلال، كيف تتفيأ ظلالها؛ أي تميل وتتحول وتدور وتتراجع من جانب إلى جانب؛ تارة عن اليمين وتارة عن الشمال بحسب حركة الشمس من مشرقها إلى مغربها، سجداً لله؛ أي خاضعة منقادة مستسلمة لعظمة بارئها، وهم داخرون؛ أي صاغرون أذلاء تحت تصريف الله وقدرته ومشيئته التي لا يمتنع عليها شيء.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن كل مخلوق قائم له ظل من شجر أو جبل أو بناء فإن ظله يسجد لله خاضعاً لقدرته؛ و«التفيؤ» هو الرجوع، والظل في أول النهار يكون من جهة الغرب، فإذا زالت الشمس تفيأ ورجع إلى جهة الشرق، وهكذا تتقلب الظلال خاضعة لسنن الله الكونية؛ فالمخلوقات كلها ساجدة لربها بظلالها، خاضعة خضوع ذلة وعبودية عامة، فكيف يستكبر هذا الإنسان الضعيف عن عبادة ربه؟!
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يورد القرطبي (ت 671 هـ) عن مجاهد وقتادة أن سجود الظل هو ميله وانبساطه على الأرض، وخضوعه التام لحركة النور والظلام؛ والداخر هو الصاغر الذليل المطيع، من دخر يدخر دخوراً إذا ذل وخضع. ويبين أن السجود هنا سجود انقياد واستسلام وتسخير للسنن الإلهية التي لا تبديل لها.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يوضح السعدي أن الله يلفت العقول إلى مشهد كوني مشهود تراه الأعين كل يوم؛ فكل جسم شاخص له ظل يتبع حركة الشمس، وسجود الظل هو خضوعه التام لأمر الله؛ فالجمادات والأشياء كلها مقهورة ذليلة لربها، والواجب على الإنسان المكلف أن يسجد طوعاً وإيماناً، لا أن يشذ عن هذا الكون الساجد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
يَتَفَيَّأُ: التفيؤ هو الرجوع والتحول بعد الزوال؛ والفيء هو الظل بعد زوال الشمس لأنه فاء أي رجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق، أما قبل الزوال فيسمى ظلاً.
الشَّمَائِلِ: جمع شمال، وهي الجهة المقابلة لليمين.
دَاخِرُونَ: جمع داخر، والدخور هو الصغار والذل والانقياد التام قهراً.
القراءات وضبط التوجيه:
قراءة حمزة والكسائي: {أَوَلَمْ تَرَوْا} بتاء الخطاب، للمواجهة والإنكار على مشركي مكة.
قراءة الجمهور: {أَوَلَمْ يَرَوْا} بياء الغيبة عوداً على الذين مكروا السيئات.
قراءة الجمهور: {يَتَفَيَّأُ} بالياء حملاً على لفظ «ما» أو لأن تأنيث الظلال مجازي.
قراءة يعقوب: {تَتَفَيَّأُ} بالتاء حملاً على معنى «الظلال» لكونها جمع تكسير.
التوجيه الإعرابي:
أَوَلَمْ يَرَوْا: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الواو عاطفة على مقدر، «لَمْ» حرف جزم ونفي وقلب، «يَرَوْا» فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ: جار ومجرور متعلق بـ«يَرَوْا» (لأن الرؤية بصرية عُديت بإلى)، «مَا» اسم موصول مبني في محل جر، وجملة «خَلَقَ اللَّهُ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، «اللَّهُ» فاعل.
مِن شَيْءٍ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «مَا» لبيان جنسها وتأكيد العموم.
يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ: «يَتَفَيَّأُ» فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، «ظِلَالُهُ» فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من «مَا».
سُجَّدًا لِّلَّهِ: «سُجَّدًا» حال من «ظِلَالُهُ» منصوبة بالفتحة الظاهرة (جمعت جمع عاقل تنزيلاً لها منزلة العاقل في سجودها)، «لِّلَّهِ» جار ومجرور متعلق بـ«سُجَّدًا».
وَهُمْ دَاخِرُونَ: الواو حالية، «هُمْ» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ (يعود على ما خلق الله من الأشياء، وعوملت معاملة العقلاء لخضوعها وسجودها)، «دَاخِرُونَ» خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد التحذير من مكر السيئات والتهديد بالعقوبات الأربع المطبقة، نقلهم السياق نقلة باهرة من عالم التهديد إلى عالم المشاهدة والتأمل الكوني؛ ليريهم أن الكون بأسره خاضع لبارئه ساجد له، فكيف يتمرد هذا الإنسان الضعيف المحاط بالهلاك على خالقه الساجد له كل ما في الوجود؟!
المقابلة بين كبرياء المشركين وخضوع الجمادات: المشركون مكروا واستكبروا عن السجود للرحمن، بينما الأشجار والجبال والأجسام كلها تسجد بظلالها لله داخرة صاغرة؛ فظهر قبح نشازهم عن المنظومة الكونية الساجدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف تسجد الجمادات والظلال وهي لا عقل لها ولا إدراك؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
التفريق بين السجود الشرعي التكليفي والسجود التكويني التسخيري:
السجود التكليفي هو سجود المكلفين بوضع الجبهة على الأرض تعبداً وطاعة واختياراً.
السجود التكويني التسخيري هو انقياد المخلوقات التام لقوانين الله وسننه الكونية، وانبساط ظلالها وخضوعها لجريان النور والظلام؛ وهو حقيقة واقعة لا تمتنع؛ فميل الظل وانبساطه على الأرض هو هيئة خضوع وتمكين تعبّر عن منتهى التذلل لخالقها؛ كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}.
إفراد اليمين وجمع الشمائل في قوله: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} إعجاز لغوي وبلاغي بديع؛ فاليمين أُفرد لكون جهة ابتداء حركة الظل واحدة (جهة مشرق الشمس أو يمين الشخص)، بينما تتقلب وتتعدد اتجاهات الظلال وتتفرق عند الغروب وفي أوقات الزوال فجمعت الشمائل، أو لإرادة جنس اليمين المستغرق للأيمان.
الاستفهام الإنكاري المقرون بالواو {أَوَلَمْ يَرَوْا} لتوبيخهم على عمى البصيرة؛ فإن هذا المشهد متكرر كل يوم أمام أعينهم صباحاً ومساءً، لكنهم يرونه بحس الحيوان لا بعقل الإنسان المتأمل.
استعمال جمع العاقل في {سُجَّدًا} و{دَاخِرُونَ} وضمير العقلاء {وَهُمْ}؛ إشعاراً بأن خضوع هذه الكائنات وتسبيحها وسجودها بلغ مرتبة العقلاء في إدراك جلال الصانع، فصارت الجمادات أعقل من المكذبين المستكبرين!
اختيار صيغة {يَتَفَيَّأُ} بما فيها من تدرج وتحول هادئ ينم عن سلاسة الانقياد للقدرة الإلهية.
الإشارة والتدبر الإيماني: تناغم الكون المسبح الساجد؛ فالأرض وما عليها في محراب صلاة مستمر، والظل يركع ويسجد لله مع حركة الشمس، فالمؤمن إذا سجد اتصلت صلاته بسجود هذا الكون الفسيح وانسجم مع نواميس الوجود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: إحياء عبادة التفكر في آيات الله المبثوثة في الآفاق، وربط الظواهر الطبيعية المشاهدة (كالظل والحرور والشمس) بعظمة الخالق جل وعلا.
التطبيق العملي: تعظيم السجود لله واستشعار معانيه العميقة في الصلاة؛ فإذا وضع المسلم جبهته على التراب فليستحضر أنه يتناغم مع سجود الظلال والجبال والأشجار لرب العالمين.
الوجدان الإيماني: الرهبة والذل والانكسار بين يدي الله؛ فالكون كله داخر لربوبيته، والنفس المؤمنة تفيض خضوعاً ومحبة لخالق هذا النظام المحكم البديع.