وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ
واصلت الآيات الكريمة تعداد نعم الأنعام (وخصوصاً الإبل) في تحمل المشاق وأداء الوظيفة اللوجستية الكبرى؛ وهي حمل الأثقال والأمتعة والتجارات إلى البلدان الشاسعة والأسفار البعيدة التي لا يبلغها الإنسان بنفسه إلا بجهد جهيد وتعب ينهك القوى. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ} قالوا: "البلد هاهنا: مكة في الحج والعمرة، وقيل: الشام واليمن ومصر في رحلتي الشتاء والصيف؛ وأثقالكم: أحمالكم وأمتعتكم وتجاراتكم؛ وشق الأنفس: بجهد الأنفس ومبالغة التعب والمشقة الشديدة". وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "الشق بالكسر: المشقة والجهد، وبالفتح: النصف؛ أي لا تبلغونه إلا بنصف أنفسكم من شدة التعب والتلف". وفي قوله: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} قال قتادة: "من رأفته ورحمته بكم سخر لكم هذه الدواب الشديدة القوية تذللاً لكم، تحمل أثقالكم وتكفيكم المشقة وتصلح معايشكم". وقال الإمام القرطبي: "خص الإبل بهذا لأنها سفائن البر التي تحمل الأثقال العظيمة في المفاوز والصحاري القاحلة، ولا يقوى على ذلك غيرها من الحيوان".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يتجلى النظم القرآني في نقل الصورة من المشهد الثابت المستقر في القرية والحي إلى المشهد الحركي الترحالي في الصحاري والآفاق البعيدة: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ}. وهذا التناسب يبرز حاجة الإنسان الماسة إلى هذه الوسائط المسخرة؛ فلو كلف الإنسان أن يحمل زاده وتجارته ومتاعه على ظهره وظهور أهله لما وصل إلى غايته إلا وقد تلاشت قواه وأشرف على الهلاك: {إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ}. ثم يختم الآية بالتذييل الباهر المقرون بالتوكيدات: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ ليربط هذا التيسير والتسخير بمصدره الإلهي العاطف؛ فرأفة الله هي التي خلقت الإبل بهذه الخصائص الفسيولوجية الخارقة (تحمل العطش، خف السير في الرمال، السنام لحفظ الغذاء، والقوة على النهوض بالأحمال) رحمة بالعباد الضعفاء.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. شكر نعمة المواصلات ووسائل النقل: استحضار رأفة الله ورحمته في كل وسيلة نقل تيسر السفر وتنقل الأثقال؛ من الأنعام القديمة إلى القطارات والطائرات والشاحنات الحديثة. 2. الاستعانة بنعم الله على طاعته: تسخير وسائل السفر والحمل في صلة الأرحام، والحج، والجهاد، وطلب العلم النافع، والكسب الحلال، وتجنب السفر في معصية الله. 3. التأدب مع الحيوانات العاملة: عدم تحميل الدواب ووسائل النقل ما يفوق طاقتها وتفقد صيانتها وإراحتها من مقتضيات الرأفة والرحمة التي أمر بها رب العالمين.