تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يمتن على بني آدم بأصل نشأتهم وأدوات إدراكهم ومعرفتهم؛ والمعنى: والله سبحانه هو الذي أخرجكم من أرحام أمهاتكم وبطونهن أطفالاً رضعاً ضعافاً، لا تدركون شيئاً من العلوم ولا تفقهون خيراً ولا شراً؛ ثم تفضل عليكم بعد إخراجكم بأن جعل لكم الأسماع لتسمعوا بها الأصوات وتصغوا بها لآيات الوحي، والأبصار لتبصروا بها الأشخاص والدلائل الكونية، والأفئدة وهي العقول والقلوب لتميزوا بها بين الحق والباطل والحسن والقبيح؛ كل ذلك لتشكروه على هذه النعم الجليلة بإفراده بالعبادة والتوحيد.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله يذكر نعمته على عباده في إبرازهم من ظلمة الأرحام إلى نور الدنيا جهالاً لا علم عندهم، ثم وهبهم آلات العلم وأدوات المعرفة: السمع، والأبصار، والأفئدة، كقوله تعالى في سورة الإنسان: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}؛ فبالسمع يتلقى الشرائع، وبالبصر يشهد الآيات، وبالفؤاد يعقل البراهين ويشكر المنعم تبارك وتعالى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الأفئدة»؛ فالأفئدة جمع فؤاد وهو القلب، وسُمي فؤاداً لتفؤده وتوقده بالحركة والفكر. ويبين أن تقديم السمع على الأبصار والأفئدة لسَبْق عمله في الجنين والرضيع؛ فالسمع هو أول حاسة تعمل وتدرك الأصوات، وهو وسيلة تلقي الوحي والدعوة، بينما إدراك البصر يتأخر، وتكامل العقل والفؤاد يكون بالبلوغ.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تكشف التدرج العظيم في نعم الله على الإنسان؛ أخرجه بلا علم ولا قدرة، ثم زودّه بهذه الحواس الكريمة التي هي أبواب المعرفة ومنافذ العلم والهدى؛ فمن استعمل سمعه وبصره وفؤاده في معرفة الله وطاعته كان من الشاكرين الفائزين، ومن عطلها عن تدبر آيات الله صار كالأنعام بل هو أضل سبيلاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
أُمَّهَاتِكُمْ: جمع أم، وتزاد الهاء في جمع الأم في الناس (أمهات) وفي البهائم يقال (أمات).
السَّمْعَ: حاسة السمع وإدراك الأصوات، وأفرد اللفظ لأنه مصدر والمصدر يصدق على القليل والكثير.
الْأَفْئِدَةَ: جمع فؤاد، وهو القلب مجمع العقل والإدراك والمشاعر.
التوجيه الإعرابي:
وَاللَّهُ: الواو استئنافية، «اللَّهُ» لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
أَخْرَجَكُم: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا: «لَا» نافية، «تَعْلَمُونَ» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، «شَيْئًا» مفعول به منصوب بالفتحة، والجملة في محل نصب حال من ضمير المفعول في «أَخْرَجَكُم» (أي أخرجكم في حال كونكم لا تعلمون شيئاً).
وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ: معطوفان على السمع منصوبان بالفتحة.
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: «لَعَلَّكُمْ» لعل حرف ترجٍّ ونصب والكاف اسمها، وجملة «تَشْكُرُونَ» خبرها، والجملة تعليلية لمقصد جعل هذه النعم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد تقرير كمال علمه بالغيب في الآية (77): {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، بين هنا منة الله على الإنسان بنقله من الجهل المطبق عند الولادة إلى مراتب العلم والمعرفة؛ فالله المتفرد بالعلم المطلق هو الذي وهبكم أدوات العلم المحدود لتستدلوا بها عليه وتشكروا فضله.
التدرج في عرض الحواس: بدأ بالسمع مفرداً لأنه آلة تلقي الوحي وأسبق الحواس في التكوين، ثم ثنى بالأبصار جمعاً لمشاهدة الآيات وتعدد زوايا الرؤية، ثم ثلث بالأفئدة مجمع الإدراك والتمييز والعقل والوجدان؛ ليرسم منظومة الإدراك البشري الكاملة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إفراد «السمع» وجمع «الأبصار والأفئدة»:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
مادة «السمع» مصدر في أصلها اللغوي، والمصادر تلزم الإفراد في غالب لسان العرب ولو دلت على الجمع والتعدد؛ أما الأبصار والأفئدة فهي أسماء أعيان وأعضاء فجمعت.
الدقة الإدراكية والعلمية: السمع يدرك الأصوات من جميع الجهات الست في آن واحد دون حاجة إلى التفات الوجه، فالصوت يلج الأذن مباشرة؛ بخلاف البصر فإنه لا يدرك إلا بالتوجه والمواجهة، فتتعدد مناظره وأبعاده وتتنوع مداركه فجمعت الأبصار لمطابقة تعدد المبصرات وزواياها.
تصوير حالة البداية الأولى {لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} لإلزام الإنسان بالتواضع الدائم وتذكيره بفقره الذاتي وجهله الفطري قبل إفاضة النعم عليه.
تنكير {شَيْئًا} لتعميم نفي العلم عن كل أمر من أمور الدين والدنيا عند خروجه من الرحم.
ختم الآية بالغاية التشريعية العظمى {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}؛ لبيان أن هذه الحواس أمانة ربانية لم تُمنح للتمتع البهيمي المجرد، بل لتكون مسخرة في شكر المنعم ومعرفة آياته.
الإشارة والتدبر الإيماني: مسؤولية الحواس أمام الله؛ قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}؛ فشكر نعمة السمع بصونه عن اللغو وسماع المحرمات وتوجيهه للقرآن والعلم، وشكر البصر بحفظه عن العورات وإعماله في الاعتبار، وشكر الفؤاد بطهارته من الرياء والشرك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: بناء المنظومة المعرفية الإسلامية المعتمدة على تكامل السمع (الوحي والنقل) والبصر (المشاهدة والتجربة الحسية) والفؤاد (العقل والتدبر والاستنباط).
التطبيق العملي: استغلال طاقات السمع والبصر والعقل في طلب العلم النافع وعمارة الأرض، والاعتراف بفضل الله ونسب كل علم وفهم إليه سبحانه.
الوجدان الإيماني: الانكسار بين يدي الله عند استحضار الضعف الأول في الرحم، والفيض من الامتنان والحمد للذي سوى الجسد ورزق الحواس وأفاض الفهم.