تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الضمير في قوله: {يَخَافُونَ} يعود على الملائكة المذكورين في الآية قبلها: {وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}، أو يعود على سائر الساجدين في السماوات والأرض من ذوي العقول؛ والمعنى: يخاف هؤلاء الساجدون عقاب ربهم وسخطه من فوقهم؛ أي يخافون ربهم القاهر لهم العالي عليهم بقدرته وعظمته وسلطانه، ويفعلون كل ما يأمرهم به ربهم بطاعة تامة وامتثال لا تردد فيه. وفي هذه الآية تمام سجدة التلاوة التي بدأت في الآية السابقة؛ فيسجد القارئ والمستمع اقتداءً بالملائكة الكرام وخضوعاً للرب الأعلى.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله جل وعلا يصف الملائكة الأبرار بصفات العبودية الكاملة: الخوف والوجل من ربهم العلي العظيم، والامتثال المطلق لأوامره؛ كقوله تعالى: {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، وقوله: {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}؛ فبين سبحانه أن علو الله على خلقه علو قهر وعظمة ومكان ومكانة، وأن الملائكة مع جلالة أقدارهم وقربهم وعظم خلقتهم يرتعدون فرقاً وخوفاً من جلاله.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يورد القرطبي (ت 671 هـ) استدلال أئمة أهل السنة بهذه الآية على إثبات علو الله تعالى وفوقيته على خلقه؛ فوقية القهر والقدر وفوقية الذات التي تليق بجلاله دون تشبيه ولا تكييف ولا حصر؛ فإن قوله: {مِّن فَوْقِهِمْ} صريح في الدلالة على الفوقية المطلقة، كما قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}. ويبين القرطبي أن الجمع بين الخوف والامتثال يدل على أن طاعتهم مبنية على التعظيم التام والمحبة المقرونة بالهيبة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يبين الشيخ السعدي أن الملائكة مع عصمتهم ومداومتهم على العبادة مستمرون في الخوف والوجل من ربهم، لكمال معرفتهم به وبعظمته وكبريائه؛ فكلما ازداد العبد معرفة بالله ازداد منه خوفاً وله تعظيماً، وفي هذا أعظم رد على المستكبرين من بني آدم الذين يبارزون الله بالمعاصي وهم أضعف الخلق وأحقرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
يَخَافُونَ: الخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، وخوف الملائكة خوف إجلال وإعظام وهيبة من عظمة الرب وجلاله.
مِّن فَوْقِهِمْ: الفوقية في لغة العرب نقيض التحتية، وتأتي لمعنى العلو بالقهر والغلبة، والعلو بالرتبة والشرف، والعلو بالذات.
يُؤْمَرُونَ: الأمر طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام.
التوجيه الإعرابي:
يَخَافُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال ثانية من الملائكة (أو استئنافية لبيان شأنهم).
رَبَّهُم: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع.
مِّن فَوْقِهِمْ: «مِنْ» حرف جر، «فَوْقِهِمْ» اسم ظرفي مبني أو معرب مجرور بـ«من» متعلق بمحذوف حال من «رَبَّهُم» (أي: يخافون ربهم كائناً عالياً قاهراً من فوقهم)، أو متعلق بالفعل «يَخَافُونَ» (أي: يأتيهم الخوف من جهتهم العلية أو من جهة عذابه الذي ينزل من فوقهم)، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
مَا يُؤْمَرُونَ: «مَا» اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ«يَفْعَلُونَ»، «يُؤْمَرُونَ» فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره (يؤمرون به).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: جاءت هذه الآية متممة لوصف الملائكة في الآية السابقة؛ فبعد أن نفي عنهم الاستكبار في قوله: {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}، أثبت لهم في هذه الآية كمال العبودية الظاهرة والباطنة: فالخوف عمل قلبي باطن، والامتثال {يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} عمل جوارحي ظاهر؛ فاكتملت لهم مراتب العبودية.
التناسب مع إيقاع السجدة: هذا النظم المهيب يبعث في نفس القارئ الرهبة والخضوع؛ فإذا سمع كيف تخاف الملائكة ربها من فوقها وتسجد له وتفعل أمره، لم يملك قلبه ولا بدنه إلا أن يخر ساجداً لله معتذراً عن تقصيره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأويل الفوقية وهل تدل على المكان الحسي الحادث:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
مذهب سلف الأمة وأئمة السنة إثبات صفة الفوقية والعلو لله تعالى كما تليق بجلاله؛ فهو سبحانه فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وعلوه مستلزم لصفات الكمال ونفي النقائص؛ فلا يقاس علوه بفوقية الأجسام الحادثة المحتاجة إلى جهة تحويها أو مكان يحيط بها؛ لأن الله هو الذي خلق الزمان والمكان، وكل ما سواه مخلوق حاصر له، وهو محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء.
والآية تحتمل فوقية القهر والغلبة كقوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، وفوقية القدر والعظمة، وفوقية الذات العلية؛ وجميع هذه المعاني حق لله تعالى على الوجه اللائق بكماله المنزه عن التشبيه والتمثيل والتعطيل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
التعبير بالمضارع {يَخَافُونَ} و{يَفْعَلُونَ} لإفادة الديمومة والتجدد والاستمرار؛ فخوفهم لا ينقطع وطاعتهم لا تفتر طرفة عين.
إيجاز الحذف في صلة الموصول {مَا يُؤْمَرُونَ}؛ أي بكل ما يوجه إليهم من أوامر دون استثناء ولا تمييز، دلالة على الانقياد المطلق الذي لا تردد فيه.
إضافة الرب إلى ضميرهم {رَبَّهُم} للتنبيه على خصوصية ربوبيته لهم بالهداية والاصطفاء والعصمة.
الإشارة والتدبر الإيماني: إذا كانت الملائكة التي لا تذنب ولا تفتر عن التسبيح تخاف ربها من فوقها وترتعد من هيبته، فكيف بأبناء آدم المثقلين بالذنوب والأوزار؟! ما أجدر العبد المذنب أن يطيل سجوده وبكاءه حياءً وخوفاً من ربه العظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: الجمع بين الخوف والرجاء والمحبة في التربية الإيمانية؛ فالخوف من الله ليس خوف يأس ولا قنوط، بل هو خوف هيبة وإجلال يثمر سرعة المبادرة إلى العمل الصالح وامتثال الأوامر.
التطبيق العملي: السجود الفوري عند تلاوة هذه الآية، والحرص على المسارعة في امتثال أوامر الله ورسوله دون مماطلة أو انتقائية، اقتداءً بجند الله الأطهار.
الوجدان الإيماني: انكسار القلب بين يدي الله واستحضار علو الرب وجلاله، واستصغار النفس وأعمالها أمام عظمة طاعة الملائكة المقربين.