لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ
بينت الآية الكريمة العاقبة الوخيمة المترتبة على ذلك التضليل والصد عن سبيل الله؛ حيث سيحمل أولئك القادة والكبراء ذنوبهم وأوزار كفرهم كاملة يوم القيامة غير منقوصة، مضافاً إليها نصيب مكافئ من أوزار وأثقال أولئك الضعفاء التابعين الذين أضلوهم وصرفوهم عن الحق بغير علم، دون أن ينقص ذلك من أوزار التابعين شيئاً. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قالوا: "اللام لام العاقبة والجزاء؛ أي كانت عاقبة مقالتهم تلك أن يحملوا آثامهم وذنوبهم تامة وافية لا يغفر منها شيء؛ {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: ويحملوا مع أوزارهم مثل أوزار من أضلوهم وصدوهم عن الإسلام من الأتباع والجهال؛ لأنهم سنوا لهم سنة الضلالة ودعوهم إليها". وروى مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً". وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه كان أول من سنّ القتل". وقال الإمام القرطبي: "الأوزار: الذنوب والآثام الثقيلة؛ شبهت بالحمولة الثقيلة التي تكسر ظهر صاحبها؛ وبغير علم حال من التابعين أو المضلين؛ أي أضلوهم مستغلين جهلهم وضعف علمهم؛ وختم بقوله {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} وهو ذم عظيم وبشاعة لما يحملونه من الآثام الثقيلة".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التذييل يمثل قمة الرهبة والعدل الإلهي؛ فبعد أن كشف مقالتهم الماكرة لصد الوافدين وتضليلهم بقولهم {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}، ربط هذا القول بمصيره الأخروي المشؤوم بلام العاقبة: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً}. فلم تكن مقالتهم مجرد كلمة عابرة تذروها الرياح في شوارع مكة، بل تحولت إلى صخور وحمول ثقيلة من الآثام تكسر ظهورهم يوم القيامة. واستعمال كلمة {كَامِلَةً} يقطع كل طمع في التخفيف أو الشفاعة أو نسيان ذرة من آثامهم. ثم عطف عليها الكارثة الكبرى: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم}؛ ليبين شؤم الدعوة إلى الضلال، وأن المتبوع المجرم يتحمل تبعة كل ضحية صدها عن دين الله. ثم ختم بالصيحة الاستفتاحية التقبيحية: {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}؛ لتسجيل شناعة ذلك الحمل وقبحه في ميزان الخلائق.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. عظم مسؤولية الكلمة والتوجيه: الحذر الشديد من نشر الشبهات أو الدعوة إلى الفواحش والمنكرات؛ فالداعي إلى الشر شريك في إثم كل من عمل به إلى يوم القيامة. 2. سقوط عذر التقليد الأعمى: قوله {بِغَيْرِ عِلْمٍ} تحذير للعامة من اتباع القادة والرموز في معصية الله بغير بصيرة ولا برهان؛ فالجهل لا يعفي المقلد من العذاب إذا فرط في طلب الحق. 3. الاستبشار بدعوة الخير وسنن الهدى: في مقابل هذا الوعيد للمضلين، يستبشر الدعاة إلى الله والمصلحون بأن لهم مثل أجور كل من اهتدى بدعوتهم وعمل بسنتهم الحسنة، مما يحفز على بذل الجهد في نشر الخير والعلم النافع.
سورة النحل - قراءة تفسيرية تحليلية متقدمة الجزء الثاني: الآيات (26 - 49)