تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الاستفهام في قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ} هو استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله المستكبرون عن اتباع الحق إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم بالعذاب، أو يأتي أمر ربك وهو قيام الساعة أو إنزال عذاب الاستئصال والهلاك في الدنيا. ويؤكد الطبري أن قوله: {كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وبيان أن هذا التكذيب والعناد سُنّة الماضين من الأمم الهالكة، {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} بإهلاكهم وعقوبتهم، {وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالشرك والتمرد على رسل الله.
تفسير ابن كثير: يبين ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا تهديد شديد ووعيد أكيد للمشركين المقيمين على الكفر؛ فما ينتظرون إلا نزول الملائكة بالموت أو أمر القيامة وأهوالها أو العذاب العاجل، ومثل هذا التمرد فعله أسلافهم من كفار عاد وثمود وقوم لوط، فحل بهم بأس الله، وما كان الله ليظلمهم شيئاً لأنه أقام عليهم الحجج وقطع الأعذار ببعثة الرسل وإنزال الكتب، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بمخالفتهم لرسلهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) أن «النظر» هنا بمعنى الانتظار، وقيل: هل ينتظرون إلا معاينة الملائكة حين تنزع أرواحهم، أو يأتي أمر ربك وهو القيامة أو العذاب الصاعق. وقوله: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} تنزيه لله عز وجل عن الظلم، وإثبات للعدل المطلق في عقوبة الكافرين لأنهم جنوا على أنفسهم بتعريضها للعذاب المقيم.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يوضح الشيخ السعدي أن هؤلاء المعرضين قد قامت عليهم البراهين الساطعة، ولم يبق في طريق إيمانهم إلا معاندة واضحة، فما بقاؤهم على كفرهم إلا كانتظار أحد أمرين لا ثالث لهما: إما حضور ملائكة الموت وهم في غفلتهم، وإما مجيء أمر الله بالقيامة والهلاك، وحينها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
يَنظُرُونَ: النظر هنا يأتي بمعنى الانتظار والتربص، كقوله تعالى: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}.
أَمْرُ رَبِّكَ: الأمر هنا يراد به القضاء النافذ إما بعذاب الدنيا أو بقيام القيامة وحلول عذاب الآخرة.
الظُّلْمُ: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به، وظلم النفس هو إيرادها موارد الهلاك بالمعاصي والشرك.
التوجيه الإعرابي:
هَلْ يَنظُرُونَ: «هَلْ» حرف استفهام يفيد النفي والإنكار. «يَنظُرُونَ» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: «إِلَّا» أداة حصر واستثناء ملغاة لتقدم النفي. «أَن» حرف مصدري ونصب، «تَأْتِيَهُمُ» فعل مضارع منصوب بالفتحة الظاهرة، والهاء ضمير مفعول به، والميم للجمع، «الْمَلَائِكَةُ» فاعل مرفوع بالضمة، والمصدر المؤول (إتيان الملائكة) في محل نصب مفعول به للفعل «يَنظُرُونَ».
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ: «أَوْ» حرف عطف، «يَأْتِيَ» فعل مضارع معطوف على «تَأْتِيَهُمُ» منصوب بالفتحة الظاهرة، «أَمْرُ» فاعل مرفوع بالضمة، «رَبِّكَ» مضاف إليه مجرور والكاف مضاف إليه.
كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ: الكاف حرف جر، «ذا» مجرور محلاً، واللام للبعد والكاف للخطاب، وشبه الجملة متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم (أي: فعلاً مثل ذلك الفعل الشنيع فعل الذين من قبلهم). «فَعَلَ» فعل ماض مبني على الفتح، «الَّذِينَ» اسم موصول فاعل، «مِن قَبْلِهِمْ» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ: الواو حالية أو استئنافية، «ما» نافية، «ظَلَمَهُمُ» فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به والميم للجمع، «اللَّهُ» فاعل مرفوع بالضمة.
وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: الواو عاطفة، «لَٰكِن» حرف استدراك ونصب أو مخففة مهملة، «كَانُوا» فعل ماض ناقص والواو اسمه، «أَنفُسَهُمْ» مفعول به مقدم لـ«يَظْلِمُونَ» لإفادة القصر والحصر، وجملة «يَظْلِمُونَ» في محل نصب خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما فصّل الله عز وجل حال وفاة الأشقياء وما يصيبهم، وحال وفاة المتقين وما ينالهم من التكريم، التفت بالخطاب توبيخاً للكفار المقيمين على غيهم: هل ينتظرون بعد وضوح الدلائل وتمايز الفريقين إلا أن يحل بهم الموت أو ينزل بهم عذاب الاستئصال؟
الاتساق التصويري في السورة: تتسق هذه الآية مع جو سورة النحل التي تعرض الآيات والإنعام، وتبين أن الإعراض عنها ليس لقصور في الحجة بل للعناد والانتظار العقيم حتى يفجأهم العذاب الذي لا مرد له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الهلاك والعذاب إلى قضاء الله وكيف ينفى الظلم: يثير بعض الملاحدة شبهة: إذا كان الله قد قدر عذابهم وأهلكهم، فكيف يصح نفي الظلم عنه تعالى في قوله: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ}؟
رد الإشكال والمحاكمة العقلية: الظلم إما أن يكون بالتصرف في ملك الغير بغير حق، أو بمجازاة العبد بغير ذنب، أو بنقص ثواب المحسن وزيادة عقوبة المسيء؛ والله سبحانه هو المالك المطلق لكل شيء، وقد خلق العباد ومكنهم بالاختيار، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الأدلة العقلية والحسية، وأنذرهم العواقب. فلما اختاروا الكفر بمحض إرادتهم وحاربوا الحق وعاندوا البراهين، كان إنزال العقوبة بهم هو عين الحكمة والعدل والإنصاف؛ فعقوبتهم كانت جزاءً وفاقاً لما كسبت أيديهم، فقصر الظلم عليهم في قوله: {وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حقيقة عقلية قطعية.
الاستفهام الإنكاري بـ{هَلْ} المحمّل بروح التهكم والتوبيخ لمن يرى الهلاك قادماً ولا يتدارك نفسه.
أسلوب الحصر والقصر بالنفي والاستثناء {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا} لتضييق الخيارات أمام الكافرين وإظهار جهلهم وسفاهة تصرفهم.
تقديم المفعول به {أَنفُسَهُمْ} على عامله في قوله: {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} لإفادة الاختصاص؛ أي لم يظلموا إلا ذواتهم، ولم يضروا الله ولا رسله شيئاً، بل أوبقوا أنفسهم وحكموا عليها بالهلاك.
الإشارة والتدبر الإيماني: التسويف في التوبة وملازمة الغفلة داء مهلك، فالمسوف كأنه جالس ينتظر هجوم ملك الموت أو حلول القضاء وهو لا يدري، فالعاقل من بادر لحظته قبل فوات الأوان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: التحذير من التسويف والغفلة؛ فإن بقاء الإنسان على المعصية أو الضلال مع علمه بالحق هو انتحار روحي ومعنوي يمارسه ضد نفسه.
التطبيق العملي: محاسبة النفس قبل أن يأتيها ملك الموت، والمسارعة إلى الإقلاع عن الذنوب واستدراك ما فات بالعمل الصالح.
الوجدان الإيماني: استشعار كمال عدل الله وتنزيهه عن كل ظلم، والشعور بالشفقة والحرص في الدعوة إلى الله لإنقاذ الغافلين قبل نزول الأمر الذي لا ينفع بعده ندم.