تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يقسم بنفسه الكريمة تسلية لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً له؛ والمعنى: والله لقد أرسلنا يا محمد من قبلك رسلاً إلى أمم سالفة وقرون خالية، فدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك، فجاءهم الشيطان فوسوس لهم وزين في أعينهم قبائح أعمالهم وكفرهم وعبادة الأوثان حتى رأوها حسنة ورأوا الحق باطلاً؛ {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ} أي فالشيطان هو نصيرهم وقرينهم اليوم في دار الدنيا يتبعون خطاه، ولا ناصر لهم سواه؛ {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} موجع في الدار الآخرة.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن هذا القسم الإلهي يحمل تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يلاقيه من تكذيب قريش؛ فبين له أن التكذيب سنة قديمة في الأمم، والسبب هو تزيين إبليس للشرك والمعاصي حتى استحوذ على عقولهم؛ فهو وليهم وقرينهم في الدنيا وفي النار، ولا يملك لهم نفعاً ولا يدفع عنهم العذاب، بل يوقعهم في العذاب الأليم ويتبرأ منهم يوم القيامة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن قوله: {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ} يحتمل معنيين:
الأول: أن «اليوم» يراد به يوم القيامة؛ أي فالشيطان وليهم في العذاب والهلاك لا يجدون والياً غيره، أو هو قرينهم في جهنم، وهو على وجه التهكم بهم.
الثاني: أن «اليوم» يراد به دار الدنيا؛ أي فالشيطان متولي أمر المشركين ومزين أفعالهم في الدنيا، وعاقبتهم العذاب الأليم في الآخرة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن العداوة الشيطانية هي منبع كل ضلال؛ فالشيطان زين للمكذبين القدامى الشرك فساروا خلفه، وهو كذلك ولي المشركين المعاصرين يتولونه بالطاعة والاتباع؛ وبئس المولى وبئس النصير؛ فعاقبة هذه الولاية الشيطانية عذاب أليم دائم لا انقطاع له.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
تَاللَّهِ: التاء حرف قسم مختص بالله تعالى.
زَيَّنَ: التزيين إظهار القبيح في صورة الحسن والجميل حتى ترغب فيه النفس وتخدع به.
وَلِيُّهُمُ: الولي هو النصير والصاحب والقريب الذي يتولى إدارة الأمر والنصرة.
أَلِيمٌ: فعيل بمعنى مؤلم، وهو العذاب الشديد الوجع الذي يبلغ أقصى درجات الألم.
التوجيه الإعرابي:
تَاللَّهِ: التاء حرف قسم وجر، «اللَّهِ» لفظ الجلالة مجرور بالتاء، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره (أقسم تالله).
لَقَدْ أَرْسَلْنَا: اللام واقعة في جواب القسم، «قد» حرف تحقيق، «أَرْسَلْنَا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» ضمير فاعل، ومفعول أرسلنا محذوف تقديره (رسلاً)، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
فَزَيَّنَ لَهُمُ: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، «زَيَّنَ» فعل ماض مبني على الفتح، «لَهُمُ» جار ومجرور متعلق بـ«زَيَّنَ».
الشَّيْطَانُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
أَعْمَالَهُمْ: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
فَهُوَ وَلِيُّهُمُ: الفاء عاطفة أو فصيحة، «هُوَ» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، «وَلِيُّهُمُ» خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
الْيَوْمَ: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ«وَلِيُّهُمُ» أو بحال محذوفة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وكشف للسر الكامن وراء إصرار المشركين على هذه الأباطيل؛ فبينت الآية أن وراء هذا التناقض البشري والجهل المفرط كيداً شيطانياً خبيثاً ومستمراً عبر القرون؛ فلا يبتئس النبي بتكذيبهم، فإن أسلافهم المكذبين قادهم الشيطان إلى ذات المصير.
التأكيد بالقسم المتكرر: هذا هو القسم الثاني في هذا الربع بـ{تَاللَّهِ}؛ الأول لتقرير سؤالهم ومحاسبتهم في الآية (56)، والثاني هنا لتقرير حقيقة الصراع التاريخي بين رسالات الله وتزيين الشيطان؛ لإبراز خطورة المسألة ويقينيتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يصح أن يقال {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ} والشيطان عدو للإنسان بنص القرآن؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
ولاية الشيطان للإنسان في الآية هي ولاية «طاعة واستدراج وإغواء»؛ أي أنهم اتخذوه ولياً فأطاعوه في معصية الله وأسلموا له قيادهم، فرضي بولايتهم ليوردهم المهالك؛ كقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}.
وهي ولاية كاذبة خادعة، لا نصرة فيها ولا حماية؛ فهو يزين لهم الباطل في الدنيا، فإذا نزل العذاب تبرأ منهم وأسلمهم للخزي والدمار؛ كقوله تعالى في الحشر: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ}.
تصدير الآية بالقسم {تَاللَّهِ} واللام و«قد»؛ ثلاثة مؤكدات لتحقيق هذا القانون التاريخي المستقر.
استخدام مادة {زَيَّنَ} لكشف طبيعة عمل الشيطان؛ فهو عاجز عن تغيير حقائق الأشياء، ولكنه يمارس التمويه والتجميل والتلبيس على العقول الضعيفة ليراها الجاهل خيراً وبركة.
إطلاق لفظ {الْيَوْمَ} للدلالة على قصر مدة ولايته ونفعها الموهوم؛ فاليوم قليل زائل، والخلود في العذاب الأليم دائم طويل.
الإشارة والتدبر الإيماني: أعظم أسلحة إبليس تزيين الباطل وتسمية المنكرات بغير أسمائها؛ فالشرك يسميه تعظيماً للصالحين، والربا يسميه فائدة واستثماراً، والتعري يسميه حرية وثقافة؛ فالمؤمن يستنير بنور الوحي ليميز الحق من الباطل خلف أستار التزيين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنبيه المسلم إلى مكايد الشيطان وخطواته في التزيين والتدليس؛ فالوقاية تبدأ بالاستعاذة الصادقة بالله والاعتصام بالكتاب والسنة.
التطبيق العملي: وزن الأفكار والمظاهر المعاصرة بميزان الشرع لا ببريقها وزينتها الظاهرة، والحذر من موالاة أعداء الله أو الانخداع بدعاياتهم الزائفة.
الوجدان الإيماني: عداوة الشيطان وبغضه، والاعتصام بولاية الله الحقة؛ فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأولياء الشيطان يخرجونهم من النور إلى الظلمات.