صدر الله تبارك وتعالى هذه السورة العظيمة بكلمة التسبيح الدالة على التنزيه والتعظيم لحدث خارق للنواميس الكونية؛ وهو إسراء النبي صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده يقظة من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى بيت المقدس بالشام في جزء يسير من ليلة واحدة.
تفسير الطبري (14/ 387)مصدر غير محدد١٤/٣٨٧: يروي أبو جعفر الطبري بأسانيده الصحيحة عن حذيفة بن اليمان، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي هريرة، وشداد بن أوس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بالبراق فركبه بصحبة جبريل عليه السلام حتى أتى بيت المقدس، فربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم صلى فيه بالأنبياء إماماً، ثم عُرج به إلى السماوات العلى.
تفسير ابن كثير (5/ 5)مصدر غير محدد٥/٥: يقرر الحافظ ابن كثير أن حديث الإسراء مروي عن جماعة من الصحابة يبلغون نحو خمسة وعشرين صحابياً، فهو حديث متواتر قطعي الثبوت. ويؤكد مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة أن الإسراء كان بالجسد والروح معاً يقظة لا مناماً؛ إذ لو كان مناماً لما كذبته قريش ولما ارتد بعض ضعفاء الإيمان؛ لأن الرؤى المنامية لا ينكرها أحد، وإنما وقع الاستعظام والتكذيب لكونه خبراً عن انتقال جسدي في مسافة شهرين ذهاباً وإياباً في بضع ساعات.
القرطبي (10/ 212)مصدر غير محدد١٠/٢١٢: يذكر القرطبي أن بيت المقدس سمي "الأقصى" لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام في مكة؛ إذ كان أبعد مسجد عن أهل مكة يعظم في دين الأنبياء. وبركة ما حوله تشمل البركات الدينية ببعثة الأنبياء ونزول الملائكة ومحاريب الرسل، والبركات الدنيوية بوفرة الأنهار والثمار والشجر وطيب العيش.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التسبيح: التنزيه المطلق للذات والصفات والأفعال عن كل نقص وعيب وعجز، ومشتق من السَّبْح وهو الجري السريع والذهاب في الماء أو الهواء؛ فالمسبح جارٍ في تنزيه ربه ومبعد له عن كل سوء.
الإسراء: السير بالليل خاصة، يقال: سرى وأسرى إذا سار ليلاً، ومنه قول الشاعر: «سَرَى ليلَهُ حتى إذا النجمُ غَوَّرا».
الأقصى: الأبعد، مؤنثه القصوى، من القَصْوِ وهو البعد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الافتتاح بالتسبيح وربط السورة بما قبلها: ختمت سورة النحل بالأمر بالصبر والمعية الإلهية في قوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ... إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}، فافتتحت سورة الإسراء ببيان أعظم صور المعية والتأييد والإكرام المعجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد شدة الصبر والمحن وحصار الشعب ووفاة خديجة وأبي طالب؛ فكان الإسراء تسلية وتتويجاً ربانياً لمقامه الشريف.
التنكير في {لَيْلًا}: أفاد تقليل مدة الإسراء؛ لأن السرى لا يكون إلا بالليل، فذكر لفظ الليل منوناً دل على أنه أسري به في جزء يسير من الليل لا في ليلة كاملة، مما زاد في إعجاز الحدث.
الالتفات البديع من الغيبة إلى التكلم ثم إلى الغيبة:
بدأ بالغيبة: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} إجلالاً وتعظيماً للذات الإلهية.
عاد إلى الغيبة: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}؛ تقريراً لصفات الإحاطة والمراقبة الدائمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع الإسراء بالروح فقط أو في المنام:
زعم بعض العقلانيين والمستشرقين ومن وافقهم أن الإسراء كان منامياً أو انتقالاً روحياً مجرداً لتعذر قطع هذه المسافة حسياً في زمن يسير بمقاييس عصر النبوة.
البرهان العقلي والنقلي الحاسم:
لفظ {بِعَبْدِهِ}: العبد في لغة العرب والشرع لا يطلق إلا على المجموع المركب من الروح والجسد معاً؛ فلا يقال للروح وحدها عبد، ولا للجسد الميت عبد.
استهلال الآية بـ {سُبْحَانَ}: والتسبيح إنما يؤتى به عند الأمور العظام الخارقة للعادة؛ ولو كان مناماً لما كان مستعظماً، فالنائم يرى في لحظة أنه يجوب أقطار الأرض والسماء ولا ينكر ذلك عاقل.
موقف قريش وتكذيبهم: لو قال النبي رأيت في المنام أني أتيت بيت المقدس لما كذبوه ولا استشنعوا قوله؛ لأنهم كانوا يرون في مناماتهم العجائب، ولكنهم طاروا بالخبر إلى أبي بكر وتحدوه بوصف أبواب بيت المقدس لعلمهم أنه يدعي الانتقال الجسدي اليقظ، فبهرهم النبي بوصف تفاصيله وقوافله القادمة.
طلاقة القدرة الإلهية: الفعل مسند إلى الله {أَسْرَىٰ}، ومن خلق السموات والأرض في ستة أيام لا يعجزه أن يسير بعبده في طرفة عين؛ فالقوانين الفيزيائية خاضعة لإرادة خالقها وموجدها.
الوصف بالعبودية في أعلى مقامات الشرف: قال {بِعَبْدِهِ} ولم يقل بنبيه أو برسوله؛ لبيان أن العبودية الخالصة لله هي أعلى مراتب الكمال الإنساني، ولحماية جناب التوحيد من الغلو والإطراء كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام؛ فمهما بلغ النبي من مدارج القرب والعروج في السموات فهو عبد لله مخلوق مكرم.
التعبير بـ {بَارَكْنَا حَوْلَهُ}: إذا كانت البركة محيطة بحوله وبأكنافه، فكيف ببركة المسجد الأقصى ذاته وبقعته الشريفة؟! إنه تنبيه بالأدنى على الأعلى.
الإشارة والتدبر: الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ربط وثيق بين مهبط الوحي المحمدي وميراث الأنبياء؛ وهو إعلان مبكر بأن حماية الأقصى والذود عنه جزء لا يتجزأ من عقيدة الأمة الإسلامية وواجباتها الرسالية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير الأمة بمكانة المسجد الأقصى والقدس في عقيدة المسلمين، وأنه ليس شأناً قومياً أو جغرافياً عابراً، بل هو مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبلة المسلمين الأولى.
التوجيه التربوي: غرس اليقين في القلوب بأن المنح الربانية تأتي بعد المحن، وأن الصبر على أذى الدعوة يعقبه الرفع والإكرام من رب العالمين.
الأثر الوجداني: يفيض وجدان المؤمن شوقاً وتعظيماً للمصطفى صلى الله عليه وسلم، وتلهج روحه بتسبيح الله القادر الذي بيده ملكوت كل شيء.