تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يأمر نبيه بالرد القاطع على تهمة الافتراء المزعومة في الآية السابقة؛ والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المفترين: لم أنزله أنا من تلقاء نفسي، ولم أختلقه بافتراء، بل نزله بالوحي الصادق «روح القدس» وهو جبريل عليه السلام، الروح المطهر المبارك المعصوم من كل كذب وخيانة؛ نزله من عند ربك العلي الحكيم بالحق والعدل والصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ ليكون هذا التنزيل والنسخ سبباً لتثبيت قلوب المؤمنين الصادقين الذين يعلمون أن أفعال الله كلها حكمة، وهداية ترشد الحائرين، وبشارة عظيمة بالجنة والفوز لكل من استسلم لله وانقاد لأمره.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن «روح القدس» هو الملك الكريم جبريل عليه السلام؛ والقدس هو الطهارة والنزاهة؛ أي الروح الطاهر المطهر المعصوم؛ نزله بالحق؛ أي بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه، فلا تبديل فيه عن هوى ولا بداء عن جهل؛ وإنما ينزله الله منجماً ومفصلاً وناسخاً {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا}؛ لأن المؤمنين كلما رأوا حكماً حكيماً نزل وتدرجت الشريعة ازدادوا إيماناً وتصديقاً بأن هذا الدين من لدن حكيم خبير، وهو هدى ورحمة وبشارة لهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«الروح القدس»؛ فالروح جبريل لأنه يحيا به الدين كما تحيا الأبدان بالأرواح، والقدس الطهارة؛ وإضافته للقدس إضافة تخصيص وتشريف كبيت المقدس وحظيرة القدس. ويبين القرطبي أن النسخ والتدرج يثبت المؤمنين؛ لأنهم يرون رعاية الله لهم ولطفه بهم وتيسيره في التكاليف، فيرسخ يقينهم.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية جمعت البراهين الساطعة على صدق القرآن؛ فالسفير النازل به هو أشرف الملائكة وأقواهم وأطهرهم {رُوحُ الْقُدُسِ}، والمصدر هو الرب المربي لعباده بالحق، والغاية تثبيت المؤمنين باليقين، ونشر الهدى والبشارة للمسلمين؛ فكيف ينسب هذا النور الإلهي إلى افتراء البشر؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
رُوحُ الْقُدُسِ: الروح جبريل عليه السلام، والقدس الطهارة والبركة والتنزيه من كل دنس ونقص.
بِالْحَقِّ: الحق الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، والحكمة في الأفعال.
لِيُثَبِّتَ: التثبيت تقوية القلب وترسيخ القدم على الإيمان ودفع الشكوك والزلل.
التوجيه الإعرابي:
قُلْ: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
نَزَّلَهُ: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به يعود على القرآن (أو على ما بدل من الآيات).
بِالْحَقِّ: متعلق بمحذوف حال من مفعول نزله أو من فاعله (أي نزله ملتبساً بالحق).
لِيُثَبِّتَ: اللام لام التعليل، «يُثَبِّتَ» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله أو على القرآن أو جبريل، والمصدر المؤول متعلق بـ«نَزَّلَهُ».
الَّذِينَ آمَنُوا: «الَّذِينَ» مفعول به لـ«يُثَبِّتَ» مبني في محل نصب، وجملة «آمَنُوا» صلة الموصول لا محل لها.
وَهُدًى وَبُشْرَىٰ: معطوفان على موضع «تثبيتاً» أو مفعول لأجله منصوبان بالفتحة المقدرة للتعذر.
لِلْمُسْلِمِينَ: جار ومجرور متعلق بنعت لهدى وبشرى، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: رد مباشر صريح يلقنه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لإفحام قريش؛ فبعد أن قالوا {إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ}، جاء الجواب بـ{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ}؛ لبيان السلسلة الذهبية الصادقة للتنزيل: من الرب العظيم، بواسطة السفير المعصوم روح القدس، إلى قلب النبي الصادق، لغاية سامية هي تثبيت الإيمان ونشر الهدى والبشرى.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يكون النسخ والتبديل سبباً للتثبيت مع أنه قد يثير الشك في بادئ الرأي؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
النسخ يمثل فتنة واختباراً للقلوب؛ فالمرتاب المنافق يزل قلبه ويقول كما قال المشركون: «محمد يغير ويبدل!»؛ فينكشف زيف إيمانه.
أما المؤمن الراسخ فيعلم أن الله هو الحكيم العليم الذي يربي أمة ناشئة؛ فكلما رأى تشريعاً ينزل لحل واقعة، أو حكماً ينسخ لحكمة أيسر وأصلح للمجتمع، ازداد يقيناً بأن هذا القرآن وحي حي يواكب حركة الحياة والتربية الإنسانية وليس كلاماً متحجراً؛ فيثبت قلبه على الإيمان وتزداد ثقته بربه وبرسوله.
تصدير الرد بـ{قُلْ} لإلزام النبي صلى الله عليه وسلم بمواجهتهم بالحقيقة، وإشعار المشركين بأن هذا الجواب أمر إلهي متلقى من السماء.
التعبير بـ{رُوحُ الْقُدُسِ} بما تحمله الإضافة من دلالات القداسة والنزاهة والطهارة المطلقة لجبريل عليه السلام، لتبرئة السفير من أي احتمال للخطأ أو الكذب أو التحريف.
إضافة الرب إلى كاف الخطاب {مِن رَّبِّكَ} لتشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتطمين قلبه بأن ربه وحبيبه هو الذي أنزل هذا الحق ولن يتركه لأكاذيب المشركين.
الإشارة والتدبر الإيماني: القرآن مصدر الثبات؛ من أراد الثبات على الحق في زمن الفتن وتلاطم الأهواء فليعتصم بهذا القرآن؛ فهو الذي نزل لتثبيت القلوب وربطها بالصراط المستقيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: بناء اليقين في قلوب المؤمنين عبر المدارسة المستمرة لأسرار التشريع والقرآن؛ فالعلم بحكم الشريعة يورث ثباتاً ورسوخاً لا تزعزعه الشبهات.
التطبيق العملي: الاستمساك بهدي القرآن وتلاوته وتدبره يومياً لنيل نصيب من التثبيت والهدى والبشرى الموعودة للمسلمين.
الوجدان الإيماني: الامتلاء بالثقة والسكينة بنصرة الله لدينه ولكتابه، والاستبشار العظيم بوعد الله وجنته لكل من استسلم لشرعه.