تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام الطبري (ت 310 هـ) بإسناده عن عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم في بيان هذا العذاب المضاعف؛ قال ابن مسعود: «عقارب في النار كأمثال البغال الدُّلْم، وحيات كأمثال البخاتي، تلسعهم فتنكأ جلودهم ولحومهم عذاباً فوق العذاب!»؛ والمعنى: هؤلاء الذين جمعوا بين الكفر في أنفسهم، وبين الصد والمنع لغيرهم عن دين الله وطريق رسوله، زدناهم في جهنم عذاباً مضاعفاً زائداً على عذاب كفرهم المجرد؛ بسبب فسادهم وإفسادهم وصد الناس عن الحق.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن عذاب أهل النار يتفاوت دركات بحسب تفاوت جرائمهم؛ فالكافر الذي يقتصر كفره على نفسه ليس كالكافر الداعية المفسد الذي يصد الناس عن سبيل الله ويحارب الدعوة؛ ولذا قال تعالى: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ}؛ عذاباً على كفرهم، وعذاباً على صدهم وإضلالهم لغيرهم، كقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) أن الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وأن عذابهم يزداد بزيادة معاصيهم وإفسادهم؛ فكما أن المؤمن تزداد درجاته بالحسنات المتعدية كالدعوة والجهاد، فكذلك الكافر تتضاعف دركاته وسيئاته بالإفساد والصد عن سبيل الله.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية ميزان عدل في الجزاء؛ فجمعوا بين الضلال الذاتي والإضلال المتعدي، فاستحقوا عقاباً مركباً: عذاباً لكفرهم وجحودهم، وعذاباً مضاعفاً فوقه لفسادهم في الأرض بصد العباد عن الهداية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
صَدُّوا: الصد يأتي لازماً بمعنى أعرض ونفر، ومتعدياً بمعنى منع وصرف غيره وحال بينه وبين الحق؛ والمراد هنا الأمران معاً وأظهرهما المتعدي.
يُفْسِدُونَ: الفساد ضد الصلاح، وخروج الشيء عن الاعتدال والنفع؛ وإفساد الدين بالصد عنه أعظم الفساد.
التوجيه الإعرابي:
الَّذِينَ كَفَرُوا: «الَّذِينَ» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، وجملة «كَفَرُوا» صلة الموصول لا محل لها.
وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ: معطوف على كفروا، «عَن سَبِيلِ» متعلق بـ«صَدُّوا»، «اللَّهِ» مضاف إليه مجرور.
زِدْنَاهُمْ: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» ضمير فاعل، والهاء مفعول به أول والميم للجمع، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ «الَّذِينَ».
عَذَابًا: مفعول به ثانٍ لـ«زِدْنَاهُمْ» منصوب بالفتحة الظاهرة.
فَوْقَ الْعَذَابِ: «فَوْقَ» ظرف مكان منصوب بالفتحة متعلق بنعت لـ«عَذَابًا»، «الْعَذَابِ» مضاف إليه مجرور بالكسرة.
بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ: الباء سببية، «مَا» مصدرية أو موصولة، «كَانُوا» واسمها وخبرها، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ«زِدْنَاهُمْ» (أي بسبب فسادهم وإفسادهم المستمر).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن قرر في الآية (85) أن العذاب لا يخفف عن الظالمين، ارتقى هنا لبيان أن العذاب ليس مجرد عدم تخفيف، بل هو في حق طوائف من أئمة الضلال والصد «عذاب متزايد ومضاعف»؛ ليتناسب الجزاء مع عظم الجريمة وبشاعة الإفساد المتعدي.
الارتباط الدقيق بالآية (89): جاءت هذه الآية توطئة للمشهد الأعظم في الآية التالية؛ حيث يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم شهيداً على هؤلاء المفسدين الصادين عن سبيل الله، وينزل الكتاب تبياناً وهدى للمؤمنين في مقابل إفساد الكافرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يتصور «عذاب فوق العذاب» وعذاب جهنم أشد ما يكون؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
عذاب جهنم دركات متفاوتة وألوان متنوعة؛ فهناك عذاب النار بالحرق، وهناك عذاب الزمهرير بالبرد القارس، وهناك عذاب الأطعمة بالزقوم والضريع، وعذاب الأشربة بالحميم والغساق، وعذاب الهوام والحيات والعقارب، وعذاب التبكيت النفسي والفضيحة؛ فمن زاد إفساده في الدنيا جمع الله له من هذه الأصناف ما يركب بعضه فوق بعض؛ فصار عذاباً فوق عذاب كما كانت جرائمه ظلماً فوق ظلم.
عطف {وَصَدُّوا} على {كَفَرُوا} لبيان أن الجريمة مركبة من شقين: الشق الذاتي (الكفر)، والشق الاجتماعي المتعدي (الصد والإفساد)، ورتب العقاب بموازين العدل الدقيقة.
التعبير بـ{فَوْقَ الْعَذَابِ} المشعر بالتراكم والتضاعف الحسي والمعنوي لآلامهم.
التعليل بالباء واستخدام صيغة الاستمرار {بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ}؛ لإبراز أن الإفساد كان ديدناً مستمراً وسجية ملازمة لهم طوال حياتهم، فاستحقوا الزيادة المستمرة في النكال.
الإشارة والتدبر الإيماني: خطورة الإفساد المتعدي وسن السنن السيئة؛ فمن دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه، ومن دعا إلى ضلالة أو صد عن سبيل الله كان عليه وزره ووزر من ضل بسببه إلى يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تحذير المجتمع من المفسدين الذين يحاربون الفضيلة ويصدون عن التدين والاستقامة؛ فإن جنايتهم ليست خاصة بذواتهم بل تسمم المجتمع بأسره.
التطبيق العملي: الاجتهاد في الدعوة إلى الله وفتح سبل الخير وتيسيرها للناس، لمقابلة جهود أهل الباطل في الصد والإفساد؛ ليكون المسلم مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر.
الوجدان الإيماني: الطمأنينة إلى عدالة الله المطلقة؛ فلن يستوي عند الله من كفر وظلم نفسه مع من كفر واعتدى وصد عباد الله وسفك الدماء ونشر الفساد في الأرض.