لما أمر الله نبيه باتباع ملة إبراهيم، وكان اليهود يحتجون بتعظيم يوم السبت ويزعمون أنه من دين إبراهيم الأصيل؛ رد الله كيدهم وأوضح أن السبت لم يكن في ملة إبراهيم قط، وإنما شُرع وفُرِضَ على اليهود خاصة عقوبة وتشديداً لما اختلفوا في يوم الجمعة الذي أمرهم نبيهم بتعظيمه فعدلوا عنه إلى السبت.
تفسير الطبري (14/ 370)مصدر غير محدد١٤/٣٧٠: يروي ابن جرير عن قتادة والسدي وأبي هريرة وابن عباس: أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل بيوم الجمعة، فقال: تفرغوا لله في كل جمعة يوماً، ففروا من الجمعة واختاروا السبت وقالوا: هو اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق، فشدد الله عليهم فيه وجعل عقوبته شديدة، ثم اختلفوا فيه أيضاً فمنهم من استحله بالصيد بالحيل كأصحاب السبت ومنهم من تمسك، فجعل وباله عليهم.
تفسير ابن كثير (4/ 613)مصدر غير محدد٤/٦١٣: يوضح الحافظ ابن كثير أن الآية كشفت زيف دعوى اليهود؛ فالخليل إبراهيم لم يعظم السبت ولم يُشرع له، وإنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وهم اليهود، ويستشهد بالحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ: اليَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ».
القرطبي (10/ 202)مصدر غير محدد١٠/٢٠٢: يقرر القرطبي أن الحصر بـ {إِنَّمَا} ينفي أن يكون تعظيم السبت من ملة إبراهيم، ويثبت أنه تشريع خاص ببني إسرائيل لما ارتكبوه من المخالفة والاختلاف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
السبت: في اللغة القطع، يقال سبت الشيء إذا قطعه، وسمي يوم السبت سبتاً لانقطاع العمل فيه عند اليهود وتفرغهم للعبادة، أو لانقطاع أيام الأسبوع به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال آخر شبهات أهل الكتاب حول ملة إبراهيم: لما أمر الله نبيه باتباع ملة إبراهيم، كانت أعظم فرية يحتج بها أحبار اليهود لمناوأة النبي هي قولهم: إن كنت تتبع ملة إبراهيم فما لك لا تعظم السبت وتستبيح العمل فيه؟! فنسف الله هذه الشبهة من أساسها ببيان أن السبت شريعة جزائية خاصة باليهود جراء اختلافهم، ولم يكن من دين إبراهيم قط.
التعبير بـ {عَلَى} المفيدة للمشقة والتضييق: لم يقل (جعل السبت للذين) بل قال {عَلَى الَّذِينَ} لإشعارهم بأنه كان عبئاً وإلزاماً عقابياً وأصراً فُرض عليهم بسبب تعنتهم.
الختام بالفصل الإلهي يوم القيامة: رد القضية إلى المحكمة الإلهية الكبرى؛ فإن اختلفوا وماروا وجحدوا الحق، فإن الله سيحكم بينهم بالقسط والعدل وينزل بكل فريق جزاءه العادل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعارض نسخ السبت مع أبديته المزعومة في التوراة المحرفة:
يزعم اليهود أن تعظيم السبت عهد أبدي بين الله وبين بني إسرائيل لا ينسخ أبداً.
التحرير التاريخي والعقلي: التوراة ذاتها تشهد بأن السبت لم يكن معروفاً ولا مفروضاً على الآباء الأولين كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وإنما بدأ ذكره في عهد موسى عليه السلام؛ فدعوى أبديته وأنه من دين إبراهيم باطلة تاريخياً وعقلياً؛ والقرآن قرر الحقيقة الناصعة بأن السبت شريعة موقوتة خاصة بفرقة معينة اختلفت وبغت، فلما جاءت الشريعة المحمدية نسخت تلك الآصار والأغلال وأعادت الناس إلى يوم الجمعة الأصيل، دين الفطرة والحنيفية السمحة.
أسلوب القصر بـ {إِنَّمَا}: لقصر تشريع السبت على المختلفين فيه من اليهود، ونفي أن يكون له صلة بالخليل إبراهيم أو بالرسالة المحمدية.
التوكيد بالقسم المضمر وإن واللام في {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ}: لرد طغيان اليهود وإشعارهم بأن الحكم الفصل ليس لتأويلاتهم وتحريفاتهم بل لحكم الله القاطع يوم القيامة.
الإشارة والتدبر: كثرة الاختلاف والتعنت في الدين تجلب المشقة والتشديد في الأحكام؛ ومن طلب البدع والاعتراض على أنبيائه أورثه الله أغلالاً تضيق عليه دنياه وأخراه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: كشف زيف الدعاوي المحرفة لأهل الكتاب بالحجة والبرهان، والاعتزاز بخصائص الأمة الإسلامية وما هداها الله إليه من تعظيم يوم الجمعة الذي ضلت عنه الأمم.
التوجيه التربوي: التحذير من الاختلاف المذموم والجدال العقيم في الدين؛ فإن الاختلاف سبب التنازع وتسليط العقوبات.
الأثر الوجداني: يستشعر المسلم فضل الله ورحمته بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث حماها من الآصار والأغلال وخصها بيوم الجمعة، عيد الأسبوع وسيد الأيام.