أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم الحنيفية:
بعد أن استعرض الله جل جلاله المقامات العلية والخلال الزكية للخليل إبراهيم عليه السلام، خاطب خاتم رسله وأحب خلقه إليه محمداً صلى الله عليه وسلم، آمراً إياه بالاقتداء بإبراهيم والسير على ملته السمحة التوحيدية الخالصة، وتأكيد براءته التامة من كل لوثة شركية.
تفسير الطبري (14/ 368)مصدر غير محدد١٤/٣٦٨: يقول أبو جعفر: ثم أوحينا إليك يا محمد من بعد إبراهيم، أن اتبع دين إبراهيم وملته في توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده، وفي إقامة شرائع التوحيد، مستقيماً مائلاً عن الشرك، وما كان إبراهيم قط من المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان كما يزعم كفار قريش حين يدعون أنهم على دين إبراهيم.
تفسير ابن كثير (4/ 613)مصدر غير محدد٤/٦١٣: يوضح ابن كثير أن هذا الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم هو تشريف وتكريم له ولأمته؛ فإن أكمل الرسل بعد إبراهيم هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمره الله باتباع ملة إبراهيم التي هي التوحيد الحنيف، فجاءت شريعته صلى الله عليه وسلم مهيمنة مكملة ومجددة للحنيفية السمحة، كما في الحديث الشريف: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ».
القرطبي (10/ 201)مصدر غير محدد١٠/٢٠١: يذكر القرطبي أن اتباع الملة يكون في أصول الدين وقواعد التوحيد وما وافقته شريعتنا من فروع الحنيفية كخصال الفطرة والمناسك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الملة: الدين والشريعة المسلوكة، وأصلها من أمللت الكتاب إذا أمليته، فسميت الملة ملة لأنها تملى وتشرع من عند الله ليلتزمها العباد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج الثناء بالأمر بالاتباع: تدرج السياق تدرجاً مبهراً؛ فبدأ بمدح إبراهيم وبيان كمالاته الفردية والربانية، ثم ختم بتوجيه الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع هذه الملة؛ ليعلم المشركون واليهود والنصارى أن الوارث الحقيقي لملة إبراهيم هو محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، لا من حرفوا وابتدعوا وعبدوا الأوثان أو ادعوا البنوة لله.
التعبير بـ {ثُمَّ}: للتنبيه على عظم هذا الوحي وشرفه؛ فالتراخي الزماني بين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام يوازيه تراخٍ رتبي في كمال الرسالة الخاتمة التي جددت دين إبراهيم على أتم وجه.
تكرار نفي الشرك {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: تأكيد صارخ وموجه لطمس دعاوي مشركي مكة الذين كانوا يعلقون أصنامهم بالكعبة ويزعمون أنهم على دين إبراهيم؛ فقطع القرآن كل حبل نسب يربطهم بإبراهيم ما داموا على الشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التبعية ونقص منزلة النبي صلى الله عليه وسلم:
قد يزعم طاعن أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم ينقص من قدره أو يجعله تابعاً مقلداً!
البرهان والتحرير العقلي والشرعي: الأمر باتباع ملة إبراهيم هو أمر بالتزام أصل التوحيد الذي اتفقت عليه كل الرسالات السماوية، وإظهار لوحدة الدين الإلهي عبر التاريخ؛ فالأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، ومحمد صلى الله عليه وسلم بإحيائه للحنيفية وتطهيرها من تحريف المحرفين أظهر جوهر ملة إبراهيم، فكان ذلك كمالاً وتشريفاً له ولإبراهيم، وليس اتباع تقليد بل هو اتباع وحي وتصديق لأصل الرسالات.
صيغة الأمر {اتَّبِعْ}: تفيد الوجوب والاعتزاز بهذا الدين العريق الممتد عبر القرون.
التكرار البلاغي لبراءة الخليل من الشرك: تكرر نفي الشرك في الآية (120) {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وهنا {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}؛ لإسقاط حجج المشركين وتكرار قرع أسماعهم بأن الشرك ضد الحنيفية بالكلية.
الإشارة والتدبر: الانتماء الحقيقي للقدوات الصالحة والأنبياء لا يكون بالدعاوى العريضة ولا بالأنساب الجسدية، بل بالاتباع المنهجي الصادق لعقيدتهم وأعمالهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ربط الدعوة الإسلامية بأصولها التاريخية الراسخة وجذورها النبوية؛ مما يمنحها قوة الإقناع ويثبت أنها ليست بدعاً من القول، بل هي الامتداد الأصيل لدين الفطرة.
التوجيه التربوي: غرس روح الاتباع للحق أينما وجد، والتأكيد على أن مقياس القرب من الأنبياء هو التوحيد والاستقامة.
الأثر الوجداني: يشعر المسلم بالفخر والاعتزاز بانتمائه إلى الحنيفية السمحة، وبأنه متصل بسلسلة النبوة الطاهرة التي يقودها الخليل ومحمد عليهما الصلاة والسلام.