تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يبين الحكمة العظمى والغاية الكبرى من إنزال القرآن العظيم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ والمعنى: وما أنزلنا عليك يا محمد هذا الكتاب المبين إلا لتفصل وتوضح للناس الحق والهدى فيما تنازعوا واختلفوا فيه من أمر التوحيد والبعث والشرائع وأخبار الأمم الماضية، ولتكون الآيات هداية ترشدهم إلى طريق النجاة، ورحمة تنقذهم من عذاب الله، وخاصة لقوم يؤمنون؛ لأنهم هم المنتفعون بنوره وهديه.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله تعالى بعث نبيه وأنزل عليه القرآن ليفصل بين الخلائق في كل ما شجر بينهم من باطل الأديان وافتراءات المشركين؛ فالقرآن هو الميزان الحق الذي يميز التوحيد من الشرك، والحلال من الحرام؛ وهو في ذاته هدى للقلوب الحائرة، ورحمة واسعة للمؤمنين الذين صدقوا به وعملوا بمحكمه وانقادوا لتوجيهاته.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) أن حصر وظيفة الإنزال في البيان والهدى والرحمة دليل على كمال الشريعة واستقلالها ببيان أصول الدين وفروعه؛ وتخصيص المؤمنين بالهدى والرحمة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأنهم الذين انشرحت صدورهم لنوره، فكان القرآن في حقهم هدى من الضلالة ونجاة من الهلكة وشفاءً لما في الصدور.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية تلخص مقاصد الرسالة والقرآن؛ فالناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في اختلاف واضطراب وضلالات متراكمة وشكوك مفسدة، فأنزل الله هذا الكتاب ليكون القول الفصل والحكم العدل، يرفع الخلاف، ويهدي إلى الصراط المستقيم، ويفيض الرحمة والسكينة على كل من آمن به.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
الْكِتَابَ: القرآن العظيم، وأصل الكتب الضم والجمع، وسُمي كتاباً لجمعه الأحكام والحكم والأخبار في سطور محكمة.
هُدًى: الهداية الدلالة والإرشاد والبيان الموصل إلى المطلوب.
رَحْمَةً: الرقة والإحسان والإنعام الذي ينقذ المرحوم من البلاء ويوصله إلى السعادة.
التوجيه الإعرابي:
وَمَا أَنزَلْنَا: الواو استئنافية، «مَا» نافية، «أَنزَلْنَا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» ضمير فاعل.
عَلَيْكَ: جار ومجرور متعلق بـ«أَنزَلْنَا»، والكاف في محل جر.
الْكِتَابَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
إِلَّا لِتُبَيِّنَ: «إِلَّا» أداة حصر وقصر ملغاة، اللام لام التعليل، «تُبَيِّنَ» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ«أَنزَلْنَا».
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: «الَّذِي» اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ«تُبَيِّنَ»، وجملة «اخْتَلَفُوا» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، «فِيهِ» متعلق بـ«اخْتَلَفُوا».
وَهُدًى وَرَحْمَةً: الواو عاطفة، «هُدًى» معطوف على موضع المصدر المؤول (لتبيين وهدى) منصوب بالفتحة المقدرة للتعذر (أو مفعول لأجله معطوف على مفعول لأجله مقدر)، الواو عاطفة، «رَحْمَةً» معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: جار ومجرور متعلق بنعت لـ«هُدًى وَرَحْمَةً»، وجملة «يُؤْمِنُونَ» في محل جر نعت لـ«قَوْمٍ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن كشف الله في الآية السابقة تلبيس الشيطان وتزيينه للباطل الذي أغرق الأمم في الاختلاف والضلالة، جاءت هذه الآية لتقدم طوق النجاة والمخرج الإلهي الحاسم؛ وهو القرآن العظيم الذي أنزله الله ليفك حيرة البشرية، ويقضي على نزغات الشيطان، ويفصل في مواطن النزاع والاختلاف بنور ساطع.
الارتباط التناظري بسورة النحل: تؤكد هذه الآية المركزية في سورة النحل أن أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسانية ليست مجرد الأنعام والماء والظلال التي سبقت الإشارة إليها، بل هي نعمة «القرآن والهداية والنبوة» التي تحيي الأرواح وتنقذها من الهلاك الأبدي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا وقع الاختلاف بين الناس بعد إنزال القرآن إذا كان الإنزال لرفع الخلاف؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
إنزال القرآن أقام الحجة القاطعة وأوضح الحق إيضاحاً تاماً يرفع كل لبس عن طالب الحق المنصف؛ فالبيان الإلهي كامل غير منقوص.
أما بقاء الاختلاف عند المعاندين فليس لقصور في بيان القرآن، بل لبغي وظلم وهوى في النفوس؛ كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}؛ فالقرآن نور يبصر به من فتح عينيه، أما من أغمض عينيه واستغشى ثيابه فلن يزيده النور إلا عمى. ولذا قال في ختام الآية: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}؛ لأن المؤمن هو الذي ينتفع بالبيان فيزول عنه الاختلاف والشك.
أسلوب الحصر والقصر بالنفي والاستثناء {وَمَا أَنزَلْنَا... إِلَّا لِتُبَيِّنَ}؛ لتوكيد أن الغاية الأولى للوحي هي الإبانة وإحقاق الحق وإزالة الضلالات المتوارثة.
تنكير {هُدًى} و{رَحْمَةً} لإفادة التعظيم والاتساع؛ فهو هدى مطلق لا ضلال معه، ورحمة تغمر حياة العبد الدنيوية والأخروية.
تخصيص المؤمنين بـ{لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}؛ للإشارة إلى أن شرف الانتفاع بالقرآن وثماره لا ينالها إلا من أقبل عليه بقلب مصدق منقاد، أما المتكبر فلا يزيده إلا خساراً.
الإشارة والتدبر الإيماني: القرآن الكريم هو الدستور الإلهي والملاذ الآمن عند تطاير الفتن واضطراب الآراء؛ فكل نزاع فكري أو عقدي أو أخلاقي فمرد حكمه وفصله إلى هذا الكتاب العظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تنشئة الأمة على التحاكم إلى القرآن الكريم في كل شؤونها؛ فهو المرجع الأعلى لفض النزاعات وتوحيد الكلمة على الحق.
التطبيق العملي: تعميق تدبر آيات القرآن في حلقات العلم والمدارسة، والاسترشاد بهديه في حل المشكلات الأسرية والاجتماعية والفكرية.
الوجدان الإيماني: استشعار عظمة رحمة الله وفضله بهذا القرآن، والشعور بالفخر والسكينة في ظلال آياته التي تهدي للتي هي أقوم وتبشر المؤمنين بأعظم الأجر.