بعد أن أمر بالأكل من الحلال الطيب، حصر المحرمات الأصيلة التي تعبد الله الأمة باجتنابها لخبثها ونجاستها ومضارها على البدن والدين، ثم شرع رخصة أكلها عند الاضطرار لحفظ النفس من الهلاك.
تفسير الطبري (14/ 355)مصدر غير محدد١٤/٣٥٥: يروي الطبري عن قتادة والسدي وابن عباس أن المحرمات هي: الميتة التي ماتت حتف أنفها من غير ذكاة، والدم المسفوح المهراق، ولحم الخنزير بجميع أجزائه وشحمه، وما ذبح للأصنام وذكر عليه غير اسم الله، ثم بين استثناء المضطر الذي أشرف على الموت ولم يجد غيرها، بشرط ألا يكون باغياً في أكله على مضطر آخر ولا عادياً متجاوزاً قدر سد الرمق، أو غير باغٍ على أئمة المسلمين ولا عادٍ لقطع السبيل في سفره.
تفسير ابن كثير (4/ 609)مصدر غير محدد٤/٦٠٩: يقرر ابن كثير توافق هذه الآية مع نظائرها في البقرة والمائدة والأنعام، وأن تحريم هذه الأعيان معلل بالخبث والضرر المادي أو المعنوي، وأن رحمة الله قضت بإباحة المحظورات عند الضرورات؛ لأن المشقة تجلب التيسير، والشريعة مبناها على حفظ الضروريات الخمس.
القرطبي (10/ 191)مصدر غير محدد١٠/١٩١: يحرر القرطبي مسائل الفقه في المضطر ومقدار ما يأكل، وهل يتزود منها، ويرجح مذهب جماهير العلماء أنه يأكل ما يسد رمقه ويحفظ حياته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الإهلال: رفع الصوت، وأصله رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل في كل رافع صوته، وكان أهل الجاهلية يرفعون أصواتهم بأسماء آلهتهم وأصنامهم عند الذبح فقالوا: باسم اللات والعزى، فسمي ما ذكر عليه غير اسم الله: ما أُهِلَّ لغير الله به.
الباغي والعادي:
الباغي: الطالب للشيء بحرص، أو الخارج على الجماعة، أو الباغي في أكلها شهوة وتلذذاً لا اضطراراً.
العادي: المتجاوز للحد بقدر ما يسد الرمق، من العدوان وهو مجاوزة الحد.
إعراب {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ}:
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر.
{حَرَّمَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى.
{عَلَيْكُمُ}: جار ومجرور متعلق بـ {حَرَّمَ}.
{الْمَيْتَةَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}: معطوفات على الميتة منصوبة، و{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب، وجملة {أُهِلَّ} صلة الموصول لا محل لها، و{بِهِ} نائب فاعل أو نائب الفاعل مستتر وبه متعلق به.
{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، و{إِنَّ} واسمها وخبرها، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملتا الشرط والجواب خبر المبتدأ {مَن}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط بين المطلق والمقيد: لما أطلق في الآية السابقة الأمر بالأكل من الحلال الطيب، جاءت صيغة القصر {إِنَّمَا} لتبين أن الأصل في المطعومات والبهائم هو الإباحة والحل، وأن التحريم محصور في هذه الخبائث الأربع وما الحق بها قياساً أو نصاً.
تقييد الرخصة بحال الاضطرار وعدم البغي: لم تأت الرخصة مطلقة تعبث بها الأهواء، بل قيدت بشرطين متلازمين: الحاجة الملجئة لحفظ الروح، والنزاهة عن التعدي والشهوة؛ ليعلم أن التيسير في الشريعة منضبط بالحكمة والعدل.
ختام الآية بـ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: تطمين لقلب المضطر الذي قد يتحرج من تناول النجاسة في مخمصة، بأن الله غفور لما تناوله من المحرم لضرورته، رحيم به إذ لم يكلفه الهلاك والموت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين حصر المحرمات بـ {إِنَّمَا} وتحريم السباع والنهروان بالسنة:
قد يزعم طاعن أن حصر المحرمات في أربعة يتعارض مع أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير والحمر الأهلية.
التحرير الفقهي ودفع الإشكال: القصر في الآية قصر إضافي لا حقيقي؛ نزل رداً على أهل الجاهلية الذين حرموا أصنافاً أحلها الله كالبحيرة والسائبة والوصيلة، وحللوا الميتة والدم وما ذبح لأصنامهم، فقال الله لهم: إنما المحرم عليكم حقاً هو هذه الأعيان الخبيثة لا ما ابتدعتموه. ثم إن السنة النبوية الصحيحة جاءت مبينة ومفصلة ومشرعة لأحكام زائدة كتحريم كل ذي ناب من السباع، والقرآن والسنة وحي واحد لا تعارض بينهما.
أسلوب الحصر بـ {إِنَّمَا}: لرد بدع المشركين وتشريعاتهم الباطلة وتأكيد أن التحريم حق خالص للشارع الحكيم.
تخصيص اللحم بالذكر في {وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ}: اللحم هو المقصود الأعظم بالأكل، وألحق به شحمه وعظمه وجلده وسائر أجزائه بالإجماع والقياس القطعي؛ لأن ذكر اللحم من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى.
الإشارة والتدبر: تشريعات الإسلام في المطعومات تبني النفس الطاهرة والبدن السليم؛ فالغذاء يؤثر في الأخلاق والروح، والترخص بالضرورة يعلم المسلم مرونة الدين وسماحته في حفظ النفس الإنسانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ مبدأ أن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، ومحاربة الأهواء التي تحلل الخبائث أو تشدد على الناس بتحريم الطيبات.
التوجيه التربوي: غرس تعظيم أحكام الشريعة في نفوس الناشئة، وفهم مقاصد الدين في التيسير ورفع الحرج؛ بحيث لا يقع المسلم في الغلو والتنطع، ولا في التفريط والتهاون.
الأثر الوجداني: يفيض قلب المؤمن بحب هذا التشريع الرباني العادل؛ الذي يحمي صحته ودينه في حال الرخاء، وينقذ حياته بالرخصة الكريمة في حال الشدة والبلاء.