تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام الطبري (ت 310 هـ) بإسناده عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم في تفسير هذه الآية؛ والمعنى: ولو يعاقب الله بني آدم بمعاصيهم وظلمهم وشركهم في عاجل الدنيا ولا يمهلهم، لأهلك الأرض ومن عليها، وما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب عليها؛ لأن شؤم معاصي بني آدم وجورهم يحبس القطر ويهلك الزرع والضرع، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: «إن الحبارى لتموت في وكرها هزلاً من ظلم ابن آدم»؛ ولكن الله بحلمه ورحمته يؤخر عقوبتهم إلى وقت معلوم وأجل مؤقت في علمه وهو يوم القيامة أو أجل موت كل واحد منهم؛ فإذا حان ذلك الأجل لا يتأخرون عنه لحظة واحدة ولا يتقدمون عليه.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله جل وعلا يخبر عن كمال حلمه وستره ومغفرته لخلقه؛ فلو حاسبهم على جميع مظالمهم وذنوبهم لأهلك أهل الأرض كلهم وما يملكون، ولكن يمهل بحلمه، كقوله تعالى في سورة فاطر: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}؛ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ».
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) القولين في شمول الدابة: هل المراد بها الإنسان وحده لكونه يدب على الأرض، أم المراد عموم الحيوانات والدواب التي تشقى بذنوب البشر بشؤم منع المطر وقحط الأرض؟ ورجح الجمهور القول الثاني للأحاديث والآثار الواردة في ذلك. ويبين أن قوله: {لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} دليل على أن الآجال محتومة لا تزيد ولا تنقص في علم الله الأزلي.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن حلم الله على الظالمين لا يعني إهمالهم؛ فهو يؤخرهم لأجل مسمى اقتضته حكمته في الابتلاء، حتى إذا استوفوا آجالهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فلا ينبغي للمشرك أن يغتر بتأخر العقوبة، فإن لكل أمة أجلاً لا يتعداه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
يُؤَاخِذُ: المؤاخذة العقاب والمجازاة على الذنب والجناية.
دَابَّةٍ: كل حيوان يدب على الأرض وله حركة وحياة.
أَجَلٍ مُّسَمًّى: الأجل هو الوقت المضروب والمحدد لانقضاء الشيء، والمسمى المعين المحدد في اللوح المحفوظ.
سَاعَةً: الساعة في لغة القرآن تطلق على الجزء القليل واللحظة الزمنية الخاطفة، وليست الستين دقيقة الاصطلاحية.
التوجيه الإعرابي:
وَلَوْ يُؤَاخِذُ: الواو استئنافية، «لَوْ» حرف شرط غير جازم (حرف امتناع لامتناع)، «يُؤَاخِذُ» فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
النَّاسَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
بِظُلْمِهِم: الباء سببية، «ظُلْمِهِم» اسم مجرور والهاء مضاف إليه والميم للجمع، والجار والمجرور متعلق بـ«يُؤَاخِذُ».
مَّا تَرَكَ: «مَا» نافية، «تَرَكَ» فعل ماض مبني على الفتح جواب شرط لو، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
عَلَيْهَا: جار ومجرور متعلق بـ«تَرَكَ»، والضمير يعود على الأرض (وإن لم يسبق ذكرها لدلالة السياق والكون عليها).
مِن دَابَّةٍ: «مِنْ» حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس، «دَابَّةٍ» اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه مفعول به لـ«تَرَكَ».
وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ: الواو عاطفة، «لَٰكِن» حرف استدراك، «يُؤَخِّرُهُمْ» فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به والميم للجمع.
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ: الفاء عاطفة تفريعية، «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان، «جَاءَ» فعل ماض مبني على الفتح، «أَجَلُهُمْ» فاعل مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه، والجملة في محل جر بالإضافة لـ«إذا».
لَا يَسْتَأْخِرُونَ: «لَا» نافية، «يَسْتَأْخِرُونَ» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة جواب شرط إذا لا محل لها من الإعراب.
سَاعَةً: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ«يَسْتَأْخِرُونَ».
وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ: معطوف على ما قبله وإعرابه مماثل له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن ذكر جرائم المشركين وافتراءاتهم ووأدهم البنات وتكذيبهم بالآخرة، قد يخطر ببال سائل: لماذا لا يعاجلهم الله بالصواعق والخسف والدمار فور ارتكابهم هذه الفظائع؟ فجاءت الآية لتجيب عن هذا التساؤل العميق، مبينة أن تأخير العذاب هو من سنّة الحلم الإلهي والابتلاء، وأن للموت والقيامة أجلاً مضروباً لا يتقدم ولا يتأخر.
التناسق مع اسم الله الحكيم: اقترنت هذه الآية بما خُتمت به الآية (60) {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ فمن مقتضى عزته أنه قادر على إفنائهم في لحظة، ومن مقتضى حكمته أنه وضع لهم أجلاً مسمى وأمهلهم لإقامة الحجة التامة عليهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا تهلك الدواب والحيوانات بظلم بني آدم وهي غير مكلفة؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
الدواب مسخرة في الأرض لخدمة الإنسان ومصلحته؛ فإذا هلك الإنسان أو فسد نظامه بظلمه انقطعت حكمة التسخير؛ فكان هلاكها تبعاً لهلاك بيئته.
الدواب تتأثر بالقحط والجدب وانحباس المطر الناشئ عن شؤم الذنوب والظلم والاعتداء؛ لأن الله جعل الكون مترابط الأجزاء، ففساد الأخلاق البشرية ينعكس فساداً في البيئة والطبيعة؛ كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.
والحيوانات إذا هلكت في الدنيا فإنها لا تعذب في الآخرة، بل تنال عوضاً وتصير تراباً؛ فليس في هلاكها ظلم لها من الخالق العليم، بل حكمة في تأديب المكلفين وإيقاظ ضمائرهم.
استخدام «لو» الامتناعية {وَلَوْ يُؤَاخِذُ} للدلالة على كمال الحلم؛ فالمؤاخذة الفورية ممتنعة لامتناع مقتضاها في الحكمة الإلهية في دار الابتلاء.
استغراق النفي بـ«من» الزائدة {مِن دَابَّةٍ}؛ لبيان أن العقوبة لو نزلت لم تكن لتبقي أحداً ولا شيئاً يدب على الأرض.
التعبير بـ{عَلَيْهَا} مضمراً الأرض دون سبق ذكر؛ لشهرة المرجع وحضوره في الأذهان كمسرح للوجود والحياة.
الجمع بين نفي الاستئخار والاستقدام {لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}؛ للدلالة على منتهى الدقة والانضباط الحاسم في ميعاد الأجل المكتوب.
الإشارة والتدبر الإيماني: كمال حلم الله وصبره على أذى خلقه؛ يسبونه وينسبون له الولد ويرزقهم ويعافيهم ويمهلهم، فما أعظم حلمه وما أوسع رحمته وما أجهل الإنسان بربه!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: الحذر البالغ من الاغترار بإمهال الله؛ فإن الإمهال ليس إهمالاً، والموت يقطع كل حبل تسويف بغتة دون استئذان.
التطبيق العملي: المسارعة إلى التوبة والاستغفار في كل يوم وليلة، قبل أن يأتي الأجل المسمى الذي لا يستأخر لحظة واحدة.
الوجدان الإيماني: امتلاء القلب بالحياء من حلم الله العظيم، واستشعار كرمه وفضله في كل نفس وقطرة ماء ولقمة طعام ينالها العبد رغم ذنوبه وتقصيره.