هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
عادت الآيات الكريمة إلى استعراض النعم الكونية العلوية السابغة، ممتنة بنعمة إنزال الماء العذب المبارك من السماء (المطر)، وما يترتب عليه من قيام حياة الإنسان والحيوان؛ فمنه يشربون عذباً فراتاً، ومنه ينبت الشجر والكلأ والعشب الذي ترعى فيه دوابهم وتسرح. روى ابن جرير الطبري في «جامع البيان» عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} قالوا: "الماء هنا المطر؛ ينزله الله من السحاب رحمة بعباده؛ {لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ} تشربونه طاهراً عذباً سائغاً قواماً لأبدانكم؛ {وَمِنْهُ شَجَرٌ} أي: ومن ذلك الماء ينبت الشجر والمرعى والكلأ والحشيش؛ {فِيهِ تُسِيمُونَ} أي: ترعون فيه دوابكم ومواشيكم". وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "الشجر هاهنا كل ما أنبتته الأرض من مرعى وعشب؛ والإسامة: الرعي؛ يقال: أسمت الماشية إذا أرسلتها ترعى، وسامت هي تسوم سوماً، ومنه الإبل السائمة وهي الراعية التي لا تعلف". وقال الإمام القرطبي: "السَّوْم: الرعي؛ يقال: أسام فلان ماشيته إذا أخرجها إلى الرعي؛ والماشية السائمة: الراعية؛ وسمى كل ما ينبت شجراً لأن الكلأ والعشب تقوم به الدواب كما يقوم الشجر؛ وامتن الله بالماء لشرفه إذ هو أصل الحياة وعمادها".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التناسب في غاية الإحكام والتلاحم البيئي العجيب؛ فبعد أن ذكر الأنعام ودفئها ومنافعها وجمالها وركوبها في الآيات السابقة، كان من البدهي أن يتساءل العقل: كيف تعيش هذه الأنعام والخلائق، ومن أين يأتي طعامها وشرابها؟ فجاء الجواب بالامتنان بإنزال المطر: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}. وقسم منافع الماء إلى قسمين متكاملين بحرف التكرار {مِّنْهُ}:
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»): 1. شكر نعمة الماء العذب والترشيد فيه: الماء أعظم نعم الدنيا وعماد الوجود؛ فالواجب شكر الله عليه بالمحافظة عليه واجتناب الإسراف والتبذير في استخدامه. 2. الاستدلال بالماء والنبات على التوحيد والبعث: إنزال المطر من السحاب الميت وإنبات الأرض الهامدة برهان قطعي على قدرة الله على إحياء الموتى وإعادتهم للحساب. 3. الدعاء المأثور عند نزول المطر: الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الغيث بالاستبشار وقول: "اللهم صَيِّباً نافعاً، مُطِرنا بفضل الله ورحمته".