تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يذكر بني آدم بأطوار خلقهم وتقلب أحوالهم من القوة إلى الضعف دلالة على كمال تصريفه وربوبيته؛ والمعنى: والله هو الذي أوجدكم من العدم وخلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، ثم هو الذي يقبض أرواحكم ويتوفاكم عند انقضاء آجالكم المكتوبة؛ ومنكم من يعمر حتى يُرد إلى أرذل العمر؛ وهو الهرم والخرف والضعف البالغ ونقصان القوة والعقل حتى يصير كالطفل الصغير في قلة التمييز والضعف، لكيلا يعلم شيئاً مما كان يعلمه في شبابه وقوته؛ إن الله عليم بما يبديه ويخفيه وبأحوال خلقه، قدير على نقلهم من حال إلى حال ومن الوجود إلى العدم ثم الإعادة للجزاء.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله يخبر عن تصرفه في عباده؛ فإنه ينشئ العبد من ضعف ثم يجعل من بعد ضعف قوة ثم يجعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة، كقوله تعالى في سورة الروم: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}؛ فمن الناس من يموت شاباً أو كهلاً، ومنهم من يطول عمره حتى يصل إلى أرذل العمر وهو الخرف وفقدان الذاكرة والتمييز، ليعلم الإنسان ضعفه وعجزه، وأن علمه وقوته عارية مستردة؛ ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ في دبر كل صلاة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» (رواه البخاري).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) المعنى اللغوي لـ«أرذل العمر»؛ وهو أخسه وأدناه وأحقره من جهة تساقط القوى والمهانة والنسيان، وأصله من الرذل وهو الرديء من كل شيء. وينقل القرطبي عن عكرمة قوله: «من قرأ القرآن وعمل به لم يُرد إلى أرذل العمر ولم يدركه الخرف»، دلالة على بركة الوحي في حفظ عقل حامله.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن تقلب الإنسان بين هذه الأطوار أعظم شاهد محسوس على انفراده تعالى بالخلق والتدبير؛ فالإنسان لا يملك تقديم أجله ولا تأخيره، ولا يستطيع دفع الهرم وفقدان العلم عن نفسه؛ فكيف يشرك بالخالق العليم القدير أصناماً لا تخلق ولا تدبر شيئاً؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
خَلَقَكُمْ: الخلق إيجاد الشيء على تقدير مستقيم من غير مثال سابق.
أَرْذَلِ: أفعل تفضيل من الرذل، وهو الأخس والأدون والأرخص، والمراد سن الهرم الأقصى والخرف.
عَلِيمٌ قَدِيرٌ: العليم ذو العلم المحيط بكل الكليات والجزئيات، والقدير ذو القدرة التامة النافذة في كل ممكن.
خَلَقَكُمْ: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ: «ثُمَّ» حرف عطف وتراخٍ، «يَتَوَفَّاكُمْ» فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة للتعذر، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة معطوفة على جملة خلقكم.
وَمِنسكُم: الواو عاطفة أو حالية، «مِنكُم» جار ومجرور خبر مقدم.
مَّن يُرَدُّ: «مَّن» اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، «يُرَدُّ» فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن استعرضت الآيات السابقة آيات الله في الآفاق والكون (الماء، الأنعام، النبات، النحل)، انتقلت هذه الآية إلى آيات الله في «النفس الإنسانية»؛ ليرى الإنسان عظمة الخالق في ذاته وأطوار عمره من الولادة إلى الموت مروراً بالقوة والضعف والهرم.
التناسب بين عجز الإنسان وكمال الرب: أظهرت الآية عجز الإنسان ونقصه بزوال علمه وضعف بدنه في قوله: {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}، فقابل ذلك بالكمال الإلهي المطلق في ختامها: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}؛ ليعلم أن علمه تعالى لا يداخله نسيان، وقدرته لا يعتريها عجز.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يقال {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ} بصيغة التعليل والشيخوخة ليست غاية مقصودة للإنسان؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
اللام في «لكي» هنا هي «لام العاقبة والصيرورة» في أحد أوجهها البلاغية؛ أي فكانت عاقبة رده إلى أرذل العمر أن زال علمه.
وهي أيضاً «لام التعليل الحقيقي من جهة الحكمة الإلهية»؛ فالله تعالى قصد بحكمته البالغة إظهار عجز البشرية وحقيقتها الفانية، وإبراز التباين بين علمه تعالى الأزلي الأبدي الذي لا ينسى ولا يتبدل، وبين علم المخلوق العارض الذي قد يمحى في آخر حياته حتى ينسى أقرب الناس إليه؛ وفي هذا أعظم زاجر عن الغرور والتكبر بالعلم والقوة.
التعبير بـ{ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} بالفعل المضارع بعد الماضي {خَلَقَكُمْ}؛ لاستحضار صورة الموت الحاضرة المتجددة في كل يوم وساعة بين البشر.
استعمال الفعل المبني للمجهول {يُرَدُّ}؛ للإشعار بقهره وعجزه؛ فالإنسان يُدفع إلى الهرم كرهاً دون إرادة منه ولا حيلة له في دفعه.
تنكير {شَيْئًا} في سياق النفي المستفاد من «لا» لإفادة الاستغراق التام؛ فلا يكاد يعلم حقيقة دقيقة أو يميز تمييزاً سليماً من شدة الخرف.
الختام الاسمي بـ{عَلِيمٌ قَدِيرٌ} بصيغ المبالغة لترسيخ اليقين بأن تصريف هذه الأعمار من لدن حكيم عليم بما يصلح خلقه قدير على تدبيرهم.
الإشارة والتدبر الإيماني: حقيقة الدنيا ومصير القوة إلى الضعف؛ فالشباب زائل والقوة فانية، والذكي من استثمر صحته وقوته وذاكرته في طاعة ربه وحفظ كتابه قبل أن تحل به سنين الهرم والانكسار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: ترسيخ بر الوالدين والرحمة بالشيوخ وكبار السن؛ فإذا رأى الشاب ضعف والديه وخرفهما تذكر هذه الآية فعاملهما بمنتهى اللطف والتواضع والرحمة كما ربياه صغيراً.
التطبيق العملي: المداومة على التعوذ النبوي من أن يُرد المرء إلى أرذل العمر، والمبادرة إلى الأعمال الصالحة في وقت النشاط والعافية.
الوجدان الإيماني: التواضع والانكسار بين يدي الله، وطلب الثبات على الإيمان والعقل حتى الممات، واليقين بأن البقاء والكمال لله وحده.