تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل وعلا يستكمل أمر النحل وإلهامه العجيب؛ والمعنى: ثم ارتعي وتغذي من أزهار كل الثمرات ونور النبات، واسلكي طرق ربك ومسالكه التي سخرها لك وطوعها في الهواء والفضاء والوديان، حال كون تلك السبل مذللة ميسرة لك لا تضلين فيها ولا تتعثرين، حتى ترجعي إلى بيتك وإن بعدت عنك الشقة؛ {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} وهو العسل اللذيذ الصافي، {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} ما بين أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف مراعيها وتربة أزهارها، {فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ} من الأسقام والأوجاع؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في صنيع الله وتدبيره.
تفسير ابن كثير: يروي الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) الحديث الصحيح المخرج في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ! فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا. ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا. ثُمَّ أَتَى الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا. ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ». ويبين ابن كثير أن العسل دواء نافع عظيم للأبدان، ميسر من صنع حشرة صغيرة بإلهام ربها، وفيه دلالة باهرة على البعث والتوحيد لقوم يتفكرون.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) مسائل فقهية وطبية في قوله: {فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ}؛ فبين أن التنكير في «شفاء» يفيد أنه شفاء لكثير من الأمراض، أو شفاء إذا استعمل مع الأدوية المناسبة، أو شفاء بذاته لكونه يجلو الأوساخ والبلغم وينقي المعدة ويقوي البدن؛ وقيل: الضمير في «فيه» يعود على القرآن، ورجح الجمهور بل كاد يكون إجماعاً أنه يعود على العسل، والقرآن فيه شفاء أيضاً بنص قوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن سياق الآية في تفاصيل النحل من أعجب آيات القرآن؛ فالنحلة تقطع الفيافي الشاسعة وتأكل من حلاوة الأزهار ومرها، ثم تعود إلى خليتها المحددة دون أن تخطئها، ثم تستحيل تلك المآكل في بطنها شراباً حلواً لذيذاً مختلف الألوان والأطعمة، فيه الشفاء التام لكثير من أمراض بني آدم؛ فمن ألهمها هذا وسخرها لقوم يتفكرون في عظمة حكمته وبديع صنعه؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
فَاسْلُكِي: السلوك هو النفاذ والمضي في الطريق والمسلك المحدد.
سُبُلَ: جمع سبيل، وهو الطريق الواسع الميسر.
ذُلُلًا: جمع ذلول، وهو المنقاد الميسر السهل الذي لا صعوبة فيه ولا وعورة.
شَرَابٌ: ما يشرب ويسيل في الحلق، وهو هنا العسل المصفى.
شِفَاءٌ: البرء من المرض وزوال العلة والداء.
التوجيه الإعرابي:
ثُمَّ كُلِي: «ثُمَّ» حرف عطف وتراخٍ، «كُلِي» فعل أمر مبني على حذف النون، والياء ضمير متصل فاعل.
فَاسْلُكِي: الفاء عاطفة لترتيب السلوك على الأكل، «اسْلُكِي» فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل.
سُبُلَ رَبِّكِ: مفعول به منصوب بالفتحة (أو منصوب على نزع الخافض أي في سبل ربك)، «رَبِّكِ» مضاف إليه مجرور والكاف مضاف إليه.
ذُلُلًا: حال من «سُبُلَ» (أي سبل ربك كائنة مذللة ميسرة لك)، أو حال من الضمير «الياء» في «اسلكي» (أي اسلكيها في حال كونك مطيعة منقادة مذللة لما أُمرت به).
فِيهِ شِفَاءٌ: «فِيهِ» جار ومجرور خبر مقدم، «شِفَاءٌ» مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية في محل رفع نعت ثانٍ لـ«شَرَابٌ».
لِّلنَّاسِ: جار ومجرور متعلق بنعت لـ«شِفَاءٌ».
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: تقدم إعراب نظائرها، وخُتمت هنا بـ«يتفكرون» لتتطابق مع عمق التفكر في صناعة العسل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: استكمال معجزة النحل؛ فبعد أن أمرها ببناء البيوت والتحصن فيها في الآية (68)، أمرها هنا بالسعي والانتشار في الأرض لطلب الرزق وجني الرحيق، ثم العودة بالإنتاج المبارك؛ فرسمت الآيتان دورة حياة النحل الكاملة من البناء إلى الرعي إلى الإنتاج والشفاء.
التدرج العجيب في ختام الآيات الأربع:
في الماء: {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} لأن المطر والإنزال يدرك بالسماع الحسي والتلقي الأولي.
في الأنعام: {لَعِبْرَةً} لأن خروج اللبن الصافي من بين فرث ودم يحتاج إلى عبور فكري ونظر اعتباري.
في الثمار: {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لأن التمييز بين المسكر والرزق الحسن يحتاج إلى عقل رشيد يميز المنافع من المضار.
في النحل: {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} لأن عجائب مملكة النحل وهندستها وسلوكها وإنتاجها للشفاء من بطونها يحتاج إلى إدامة الفكر والتأمل الدقيق للوصول إلى أسرار هذه المعجزة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يخرج العسل من بطون النحل وهو ليس بفضلات؟ وهل ثبت علمياً أنه شفاء؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
قوله تعالى: {مِن بُطُونِهَا} دقيق علمياً إلى أقصى حد؛ فالنحلة لها في جوفها «معدة خاصة بالعسل» تسمى الحوصلة تختلف تماماً عن معدتها الهضمية؛ فتخزن فيها الرحيق وتفرز عليه إنزيمات حيوية تحوله إلى عسل، ثم تقذفه من فمها ناصعاً في الخلية؛ فاستعمال لفظ «بطونها» بالجمع يطابق وجود معدات وتجاويف داخلية خاصة بالإنتاج في جسم النحلة.
أما ثبوت الشفاء: فقد أثبت الطب الحديث والتحاليل المخبرية أن العسل يحتوي على مضادات أكسدة، ومواد مضادة للبكتيريا والجراثيم، وأنه معقم طبيعي للجروح، ومقوٍ لجهاز المناعة، ومضاد للالتهابات المعوية والتنفسية، ومصدر سريع للطاقة الحيوية؛ فجاء الطب الحديث مصدقاً ومؤكداً لقوله تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ}.
الإسناد الدقيق للأفعال بصيغة الأمر للمؤنثة المخاطبة {كُلِي... فَاسْلُكِي}؛ لإبراز أن هذه المخلوقات مأمورة مسخرة تطيع أوامر بارئها بلا توانٍ.
التعبير بـ{ذُلُلًا} الذي يصف انقياد الطرق للنحل أو انقياد النحل لأمر الله وسهولة عودتها؛ حيث تطير النحلة فراسخ بعيدة في الجو ثم تعود ببوصلة مغناطيسية ربانية إلى خليتها دون أن تخطئها بين آلاف الخلايا!
ختم الآية بالتفكر {يَتَفَكَّرُونَ}؛ للحث على البحث العلمي والتدبر في أدق تفاصيل الحياة الفطرية.
الإشارة والتدبر الإيماني: مثل المؤمن كمثل النحلة؛ لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً، وإذا سقطت على عود لم تكسره، وإذا مشت على زهرة لم تخدشها؛ تنشر الشفاء والحلاوة في الوجود، وتعود إلى ربها مذللة خاضعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: غرس قيمة التفكير العلمي والبحث والتأمل في آيات الله في الكون؛ فالإيمان المبني على التدبر والتفكر أرسخ في القلب من الإيمان السطحي الموروث.
التطبيق العملي: التداوي بالعسل النقي والاستشفاء به طلباً لبركة الوحي، مع الأخذ بالأسباب الطبية المشروعة؛ والحرص على أن يكون المسلم في سلوكه نافعاً كالنحلة يفرز الشفاء والخير لمن حوله.
الوجدان الإيماني: الامتلاء بالانبهار والإجلال لرب النحل والكون كله، والشعور بحلاوة الإيمان التي تفوق حلاوة العسل المصفى حين يسكن نور التوحيد في الفؤاد.