تفسير الطبري (جامع البيان): يروي الإمام الطبري (ت 310 هـ) قصة بديعة في بيان معنى «تخوف»؛ حيث سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في قوله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ}؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل فقال: يا أمير المؤمنين هذه لغتنا، التخوف التنقص؛ يقال: تخوّفت الشيء إذا تنقصته من أطرافه شيئاً بعد شيء؛ وأنشد قول الشاعر الهذلي:
تَخَوَّفَ السَّيْرُ مِنْهَا تَامِكاً رَدِماً ... كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
فقال عمر: «يا أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم». والمعنى: أو ينقصهم الله شيئاً بعد شيء في أموالهم وأنفسهم وثمراتهم حتى يهلكوا، أو يأخذهم على خوف وترقب للعذاب بعد أن يسمعوا بهلاك جيرانهم ومن حولهم. وقوله: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} بيان أن تأخير العقوبة وعدم المبادرة بالإهلاك إنما هو لرأفته ورحمته بعباده لعلهم يتوبون.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) القولين في معنى {عَلَىٰ تَخَوُّفٍ}:
الأول: أن يأخذهم على تنقص من أموالهم وأنفسهم وثمراتهم، كما قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة.
الثاني: أن يأخذهم وهم خائفون وجلون من نزول العذاب لما رأوا من إهلاك القرى المجاورة لهم، فيكون العذاب حينئذ أشد وقعاً على نفوسهم لأن انتظار المكروه عذاب نفسي يسبق العذاب الحسي. ثم ختم برأفته ورحمته حيث لم يعاجلهم بالعقوبة بل أمهلهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يرجح القرطبي المعنيين؛ فالتنقص متضمن للخوف، والانتظار فيه تنقص للقوى والأعصاب. ويقرر أن ختام الآية بـ{فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} دليل على أن حلم الله على العصاة نابع من كمال رأفته ورحمته، وليس عن عجز، إذ يمهلهم رجاء توبتهم ورجوعهم.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يبين السعدي أن أخذهم على تخوف يعني أن يتلف الله ما يملكون شيئاً فشيئاً، ويوقع الرعب في قلوبهم تدريجياً حتى يستأصلهم؛ ولكن رأفته ورحمته هي التي فتحت لهم أبواب الإمهال ويسرت لهم أسباب النجاة لو كانوا يعقلون.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
تَخَوُّفٍ: مصدر تفعل، ويطلق في لغة العرب على معنيين مشهورين: الأول: التنقص والتقليل شيئاً فشيئاً، والثاني: الخوف والوجل وترقب المكروه.
لَرَءُوفٌ: الرأفة شدة الرحمة وأعلاها وأرقها، وهي دفع المكروه وإزالة الضرر.
رَّحِيمٌ: صيغة مبالغة من الرحمة، وهو المفيض للخيرات والنعم.
التوجيه الإعرابي:
أَوْ يَأْخُذَهُمْ: «أَوْ» حرف عطف، «يَأْخُذَهُمْ» فعل مضارع معطوف على «يَخْسِفَ» منصوب بالفتحة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به والميم للجمع.
عَلَىٰ تَخَوُّفٍ: جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل أو من المفعول (أي: يأخذهم كائناً على حال تخوف وتنقص، أو وهم متخوفون).
فَإِنَّ رَبَّكُمْ: الفاء استئنافية تعليلية، «إِنَّ» حرف توكيد ونصب، «رَبَّكُمْ» اسم إن منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ: اللام هي المزحلقة تفيد التوكيد، «رَءُوفٌ» خبر إن أول مرفوع بالضمة، «رَّحِيمٌ» خبر إن ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: هذه هي الخاتمة للحالات الأربع من إهلاك العصاة؛ فبعد أن ذكر الهلاك الفجائي بالخسف أو مباغتة العذاب أو الأخذ في حال التقلب، ذكر هنا الأخذ التدريجي المتنقص أو الأخذ المقرون بالخوف والترقب، لتستوعب الآيات جميع صور العقوبات الإلهية الممكنة عقلاً وواقعاً.
التناسب البديع في التذييل بالرحمة: قد يتعجب السامع: كيف تُختم آيات التهديد بالعذاب بالرأفة والرحمة؟ وسر ذلك أن تأخير هذه العقوبات الأربع وإعطاء المهلة للظالمين مع استحقاقهم الفوري للهلاك إنما هو من سعة رأفة الله ورحمته، لعلهم يرجعون عن غيهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يهلك الله مشركي مكة على أحد هذه الوجوه الأربعة؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
قوله تعالى في عجز الآية: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} هو الجواب الحاسم على هذه الشبهة؛ فعدم أخذهم بالاستئصال والخسف كان مقتضى رأفته بهم وبرسوله بينهم؛ فلو عاجلهم بالعقوبة لماتوا كفاراً، لكنه أمهلهم حتى دخلوا في دين الله أفواجاً بعد فتح مكة.
فالآية لا توجب وقوع الهلاك حتماً، بل توبخهم على «أمنهم» منه؛ لأن العاقل لا يأمن من يملك هذه الخيارات العظيمة في عقوبته وهو مقيم على معصيته، بل يسارع إلى التوبة.
استعمال حرف الجر {عَلَىٰ} في {عَلَىٰ تَخَوُّفٍ} للإشعار بالتمكن والملابسة التامة للخوف أو التنقص، بحيث صار الخوف مظلة تحيط بهم.
التوكيد المزدوج بـ«إنّ» واللام المزحلقة في {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ لتقرير حقيقة الرأفة والرحمة الإلهية الواسعة التي تحول بين العباد وبين استعجال الهلاك.
الجمع بين وصفي {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ فالرأفة لدفع البلاء وإمهالهم، والرحمة لإنزال الرزق وإمدادهم بالخيرات رغم كفرهم.
الإشارة والتدبر الإيماني: حلم الله على عباده ليس غفلة ولا عجزاً؛ فالله يمهل ولا يهمل، وإمهاله للعاصي هو فتح لباب التوبة قبل أن يتحول الحلم إلى غضب وبأس لا مرد له.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تربية القلوب على استشعار سعة حلم الله ورحمته بالخلق، والحذر الشديد من التمادي في الذنوب اغتراراً بهذا الحلم.
التطبيق العملي: إذا شعر العبد بنقص في صحته أو ماله أو بركة وقته، فليتفقد نفسه؛ فقد يكون ذلك أخذ على تخوف وتنقص لتنبيهه إلى التوبة قبل الأخذ الأكبر.
الوجدان الإيماني: محبة الرب الرءوف الرحيم الذي يحسن إلى عباده مع إساءتهم، ويرحمهم بإمهالهم مع قدرتهم على إهلاكهم في طرفة عين.