تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يذكّر العباد بأصل النعم ومصدرها؛ والمعنى: وما بكم يا معشر الناس من نعمة في أبدانكم من صحة وعافية، أو في أموالكم وأولادكم ورزقكم وأمنكم وسائر أحوالكم، فكل ذلك من تفضل الله وحده وإحسانه لا شريك له فيه؛ {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} من مرض أو فقر أو جدب أو هول في البحر، {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} أي فإليه وحده ترفعون أصواتكم بالدعاء والتضرع والاستغاثة ليرفع عنكم البلاء؛ لأنكم في قرارة فطركم تعلمون أنه لا يكشف الضر إلا هو.
تفسير ابن كثير: يبين الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن الله يخبر بأنه المنعم المتفرد بإسداء الخيرات ودفع المكروهات؛ فكل نعمة ينعم بها العبد فهي من فضل الله وإحسانه، وإذا أصاب الناس كرب أو شدة لم يلتجئوا إلا إليه، ولم يطلبوا الغوث إلا منه، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ}؛ فكيف يليق بكم بعد هذا الإقرار الفطري أن تعبدوا معه غيره في حال الرخاء؟!
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يوضح القرطبي (ت 671 هـ) حقيقة «الجؤار» في لغة العرب؛ فالجؤار هو رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة عند الشدة الشديدة؛ يقال: جأر الثور إذا صاح صياحاً شديداً، وجأر الرجل إلى الله إذا تضرع إليه رافعاً صوته بالدعاء عند نزول البلاء. ويبين أن الآية حجة دامغة على المشركين بانتكاس فطرتهم حين يخلصون لله في الشدة ويشركون به في النعمة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية قاعدة إيمانية جامعة لكل نعم الوجود؛ فكل نعمة دينية أو دنيوية باطنة أو ظاهرة هي محض فضل من الله؛ وحاجة العباد إليه دائمة مطلقة، وأوضح ما تظهر هذه الحاجة عند نزول الضر؛ حيث تتقطع الأسباب وتتعلق القلوب به وحده، وهذا يوجب أن يكون المعبود وحده في السراء والضراء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
نِّعْمَةٍ: النعمة هي الحالة الحسنة والمنحة الملائمة للإنسان، وأصل النعيم طيب العيش ولينه.
الضُّرُّ: بضم الضاد سوء الحال من مرض أو فقر أو شدة أو أذى، وبفتحها ضد النفع.
تَجْأَرُونَ: جأر يجأر جأراً وجؤاراً، إذا رفع صوته بالدعاء والاستغاثة والتضرع من شدة الكرب.
التوجيه الإعرابي:
وَمَا بِكُم: الواو استئنافية، «مَا» اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ، أو اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ. «بِكُم» جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول أو خبره.
مِّن نِّعْمَةٍ: «مِّن» بيانية لـ«ما» أو زائدة لتأكيد الاستغراق، «نِّعْمَةٍ» اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على التمييز أو حال.
فَمِنَ اللَّهِ: الفاء واقعة في جواب الشرط (أو رابطة للخبر لتضمن الموصول معنى الشرط)، «مِنَ اللَّهِ» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فهي كائنة من الله)، والجملة في محل جزم جواب الشرط (أو في محل رفع خبر المبتدأ ما).
ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ: «ثُمَّ» حرف عطف وتراخٍ، «إِذَا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، «مَسَّكُمُ» فعل ماض مبني على الفتح، والكاف مفعول به والميم للجمع، والجملة في محل جر بالإضافة لـ«إذا».
الضُّرُّ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ: الفاء رابطة لجواب «إذا»، «إِلَيْهِ» جار ومجرور متعلق بـ«تَجْأَرُونَ» وقُدم لإفادة القصر والحصر، «تَجْأَرُونَ» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب إذا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: لما أقام الله البرهان بملكه للسماوات والأرض في الآية السابقة، أقام هنا برهاناً نفسياً ووجدانياً لا يستطيع أحد إنكاره؛ وهو برهان النعمة وبرهان الفطرة والاضطرار؛ فأنتم معترفون بأن كل نعمة منه، وإذا نزل بكم الكرب لا تفزعون إلا إليه؛ فما بالكم تتقون غيره وتشركون به في الرخاء؟!
الارتباط الدقيق بالآية التالية (54): جاء التمهيد بذكر الجؤار إلى الله في حال الشدة، لتصوير شناعة المفارقة والانتكاس السلوكي الذي يقع منهم حين كشف الضر في قوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا ينسب المشركون بعض النعم إلى آلهتهم أو كواكبهم؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
القرآن يبطل هذه الدعوى بإحراج العقل المشرك بلحظة الاضطرار؛ فعندما تقع الكوارث وتغرق السفن وتشتد الأزمات، تسقط كل الآلهة المزعومة من الذاكرة الإنسانية، ولا يرتفع الصوت إلا إلى خالق الكون الواحد القهار.
فلو كانت آلهتهم تنعم عليهم بشيء لالتجأوا إليها في أحلك الساعات! فلما أجمع البشر بمختلف أديانهم على الجؤار إلى الله وحده عند انسداد الأسباب، ثبت عقلاً وواقعاً أن المنعم الحقيقي بكل نعمة هو الله وحده، وأن نسبة النعمة لغيره في حال الرخاء جحود وزور.
التعبير بـ{مَسَّكُمُ}؛ حيث اختار مادة «المس» الدالة على أدنى إصابة ومباشرة، لبيان شدة ضعف الإنسان؛ فأدنى مس للضر يجعله يجأر ويتضرع ويسقط كبرياءه.
اختيار الفعل {تَجْأَرُونَ} بما يحمله من تصوير صوتي وحركي عنيف يصف صياح المضطر الملهوف الباكي الذي انقطعت به الحيل.
تقديم الجار والمجرور {فَإِلَيْهِ} لإفادة القصر؛ أي إليه لا إلى غيره تتوجه الأصوات وتُبسط الأكف.
الإشارة والتدبر الإيماني: شكر النعمة يبدأ بالاعتراف بمسديها؛ فكل قطرة ماء وكل نبضة قلب شاهدة بفضل الله ورحمته، واللؤم البشري يظهر في نسيان المنعم في الرخاء ثم التملق له في الشدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: تربية القلوب على مطالعة نعم الله والاعتراف بها، وعدم الاغترار بالأسباب الذاتية والذكاء الشخصي؛ فكل نجاح ورزق فهو من الله وحده.
التطبيق العملي: دوام اللهج بالحمد والشكر لله، واستغلال أوقات الرخاء بالدعاء والعمل الصالح حتى يُستجاب للعبد وقت الشدة؛ كما في الحديث: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ».
الوجدان الإيماني: فيض من الامتنان والمحبة للرب الوهاب الذي يغدق على عباده النعم رغم تقصيرهم، ويفتح لهم أبواب إجابته إذا جأروا إليه في كرباتهم.