تفسير الطبري (جامع البيان): يقرر الإمام ابن جرير (ت 310 هـ) أن الله جل ثناؤه يضرب المقارنة العظمى بين صفات المشركين وصفات الرب جل جلاله؛ والمعنى: للذين لا يصدقون بالبعث بعد الموت ولا يقرون بالثواب والعقاب صفة السوء؛ وهي صفة النقص والحاجة والجهل والظلم ووأد البنات واشتهاء الذكور لأنفسهم وجعل الإناث لله والعذاب في النار؛ ولله وحده «المثل الأعلى»؛ وهو الوصف الأكمل والحمد المطلق والألوهية الخالصة وتفرده بنعوت الجلال والجمال والغنى المطلق عن الولد والشريك والند، وشهادة أن لا إله إلا هو؛ وهو العزيز في انتقامه وقدرته، الحكيم في تدبيره وقضائه.
تفسير ابن كثير: يوضح الحافظ ابن كثير (ت 774 هـ) أن «المثل» هنا بمعنى الصفة؛ أي للجاحدين المعاد صفة النقص والدناءة والجهل، ولله جل وعلا الكمال المطلق من كل وجه، كما قال تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ فله سبحانه كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ونُفي عنه كل عيب ونقص مما ينسبه إليه المفترون؛ وهو العزيز الذي قهر كل شيء، الحكيم في أفعاله وشرعه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): يذكر القرطبي (ت 671 هـ) عن قتادة ومجاهد أن {مَثَلُ السَّوْءِ} هو النار، والذل، والعار، وصفات النقصان والجهل. وأن {الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ} هو شهادة أن لا إله إلا الله وأنه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد، وقيل: صفة الإلهية والربوبية والقدرة التامة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن): يقرر الشيخ السعدي أن هذه الآية قاعدة عقدية جليلة في الأسماء والصفات؛ فكل ما كان صفة نقص وعيب وجهل وحاجة وظلم فهو لازم للمكذبين المشركين، وكل صفة كمال ومجد وجلال وحكمة وقدرة ورحمة فهي لله تعالى على أكمل وجه وأتمه؛ ومن مقتضى كماله أنه العزيز الذي لا يُغلب، الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
مَثَلُ: المثل هنا يراد به الصفة والشأن والقصة والحال العجيبة.
السَّوْءِ: بفتح السين مصدر ساءه يسوءه سوءاً، أي القبح والشر والمساءة والنقص؛ وبضم السين ما يضر الإنسان ويسوؤه.
الْأَعْلَىٰ: اسم تفضيل من العلو، وهو الأرفع والأشرف والأكمل في القدر والمكانة.
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: العزيز الغالب القوي الذي لا يرام جنابه، والحكيم المتقن للأفعال الواضع للأشياء في مواضعها.
التوجيه الإعرابي:
لِلَّذِينَ: اللام حرف جر للاستحقاق والاختصاص، «الَّذِينَ» اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
لَا يُؤْمِنُونَ: «لَا» نافية، «يُؤْمِنُونَ» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: الواو حالية أو استئنافية، «هُوَ» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، «الْعَزِيزُ» خبر أول مرفوع بالضمة، «الْحَكِيمُ» خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها لما قبلها: بعد أن فضح الله تصرفات المشركين المنحطة في كراهية البنات ووأدهن وإلصاقهن بالخالق، جاءت هذه الآية لتلخص الموقف الفكري والنفسي كله بقاعدة عقلية كلية: هؤلاء الكفار تنحصر فيهم صفات السوء والجهل والتناقض، بينما يتفرد الله جل جلاله بالمثل الأعلى والكمال المطلق المنزه عن كل دنس.
المقابلة بين المثلين: المقابلة التامة بين {مَثَلُ السَّوْءِ} و{الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ}؛ لتوضيح البون الشاسع بين المخلوق الناقص المتمرد على فطرته، وبين الخالق العلي الحكيم المستحق للتعظيم والتسبيح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إطلاق «المثل» على الله وهل ينافي قوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؟:
رد الإشكال والمحاكمة العقلية:
«المثل» في لسان العرب والقرآن يأتي بمعنيين:
الأول: الشبيه والنظير والند؛ وهذا منفي عن الله تعالى قطعاً بنص قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقوله: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ}.
الثاني: الصفة العظيمة والوصف الكامل والشأن الرفيع؛ كقوله تعالى: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} أي صفتها؛ وهذا مثبت لله تعالى بنص الآية {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ}؛ أي له في كل صفة كمال غايتها وذروتها، فإذا ثبت للمخلوق كمال ليس فيه نقص (كالعلم والحياة والرحمة)، فالخالق أحق به وله منه المثل الأعلى المطلق المنزه عن شوائب النقص والحدوث.
تقديم الجار والمجرور في الموضعين {لِلَّذِينَ... وَلِلَّهِ} لإفادة القصر والحصر؛ فصفة السوء مقصورة على الكافرين، والمثل الأعلى مقصور على الله تعالى.
إضافة {مَثَلُ} إلى {السَّوْءِ} للمبالغة في قبح حالهم؛ حتى كأن السوء صار أصلاً وهم مظهر له.
تعريف {الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ} باللام الدالة على الجنس والكمال، وصيغة التفضيل «الأعلى» للدلالة على أن كماله يعلو كل كمال متصور في العقول.
ختام الآية باسمي {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ للإشعار بأن كماله مقرون بعزة لا تذل، وحكمة تضع كل مخلوق في رتبته اللائقة به.
الإشارة والتدبر الإيماني: قاعدة أهل السنة في التنزيه والإثبات؛ فالمؤمن يعظم ربه ويثبت له نعوت الجلال والجمال، متيقناً أن كل نقص يعتري الإنسان من جهل أو فقر أو ظلم ناتج عن بعده عن هدي ربه ومثله الأعلى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: بناء التصور العقدي الصحيح عن الله؛ فلا يُقاس الخالق بالمخلوق في أفعاله وصفاته، وتطهير العقول من الشبهات والقياسات الفاسدة.
التطبيق العملي: ملازمة تعظيم الله وإجلاله في الأقوال والأدعية، وتجنب كل لفظ أو تصرف يوهم نقصاً في حق الرب تبارك وتعالى.
الوجدان الإيماني: طمأنينة الروح وانشراح الصدر حين يعلم العبد أنه يتعبد لرب له المثل الأعلى، له العزة التامة التي تؤمن الخائفين، والحكمة البالغة التي تدبر الأكوان بأدق نظام.